روايات رومانسية
رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل السادس عشر 16 بقلم تقي حامد

رواية لوعة قلب ( ميثاق العاشقين ج2 ) الفصل السادس عشر 16 بقلم تقي حامد
__________________________
-اتجوز مين يا جماعة إنتو اتجننتوا! دي قد بنتي! بنتي إيه دي قد حفيدتي!!
2
وقفت يمنى أمامه بغضبٍ تصيح:
-إنت فسخت خطوبتك إمتى؟ وإزاي متقوليش!
فيما صاحت دارين بقلة حيلة:
-أنا عايزة أحمي بنتي بأي شكل يا نور، مفيش غيرك قدامنا حل!
نقل بصره بين دارين التي ترمقه بقلة حيلة، ويمنى الغاضبة، رفع عينيه ينظر لرعد بترجٍ لينقذه، وقال الآخر بصرامة:
-برا كلكم.
التفتت يمنى ترمقه بحدةٍ، فيما دفع زهد زوجته للخارج، وسحبت آيات وشهد دارين للخارج، فيما بقى رعد ونور وأريچ بالغرفة، نظر رعد لأريچ متسائلًا:
-رأيك إيه يا أريچ؟
هزت رأسها ضاحكة بعدم تصديقٍ:
-رأيي في إيه يا عمو؟ إنتو عايزين تجوزوني! أنا المفروض أكمل 18 كمان كام أسبوع ! أكملها وأتجوز؟ بتعالجوا المشكلة بمشكلة أكبر!
ارتجف بدنها ورفضت رفضًا قاطعًا:
-لأ، أنا مش موافقة، إحنا مش في فيلم عربي قديم هيتجوزني يحميني ونحب بعض ونتجوز بجد! أنا مش لعبة بينه وبين عز ولا أنا عايزة أتجوز أصلًا! أنا عايزة أعيش زي تالا وتالين، زي ميرا أو سيرا أو حتى قدر ونارين! أنا عايزة أذاكر وأدرس وانجح! ارجع بيتي وانا مطمنة مش هربانة! أنا مش عايزة أدفع تمن غلطات أبويا وأمي يا عمو!
رمقها رعد بجمودٍ، فيما ناظرها نور بشفقةٍ والتفت لرعد قائلًا:
-أنا مش فاهم! هو مفيش حل غير ده! جواز؟ مينفعش نبلغ عنه إنه stalker !!!
تنهد رعد بعمقٍ وعاد بظهره للخلف:
-هتبلغ وبعدين؟؟ هيطلع منها، لا البنت اتأذت ولا فيه أدلة.
ضرب نور كفًا في كف، فيما فركت أريچ عينيها بتعبٍ ونهضت تقول:
-عن إذنكم أنا محتاجة أرتاح شوية.
خرجت أمام عيني رعد الذي نقل بصره فيما بعد لنورٍ بقلة حيلة.
فقابلتها أمها بالخارج تسألها بقلقٍ:
-اتكلمتوا في إيه؟؟؟
ناظرتها أريچ بخواءٍ، وسارت للدرج وصعدته دون أن تنبس بحرفٍ، فنظرت دارين ليمنى التي ربتت على كتفها هاتفة بصوتٍ مبحوح:
-اطلعي معاها متسيبهاش لوحدها.
وبالفعل..هرولت دارين خلف إبنتها، فيما ترصدت يمنى نور الذي خرج من الغرفة وناظرته بلومٍ:
-إنت إزاي تفسخ خطوبتك من غير ما تقولي؟
-أقولك إيه؟ أقولك إني مش بحبها ومعدتش عايزها في حياتي؟ أقولك أنا عايز افسخ خطوبتي فتقوليلي لأ استنى يمكن تحبها!
أومأت بحدةٍ:
-أيوه هقولك كده! إنت عارف إنت ضيعت مننا نَسب عامل إزاي؟؟؟ دكتورة وأبوها دكتور زيها! نسب يشرف!!!
3
ابتسم ساخرًا:
-آسف…أنا مش عايز نَسب يشرف، أنا عايز نَسب أنا عايزه …مش إنتو اللي محتاجينه!
وتركها واقفة وخرج من المنزل بأكمله صافعًا الباب خلفه، فاستدارت يمنى لزهد تشكيه وهي تقترب لتجلس جواره:
-شايف العيال! واحدة كارفة لخطيبها والتاني يفسخ من غير ما يقول! ناقص نارين تخش عليا تقولي عايزة أتجوز عربجي.
ظل جالسًا جوارها بصمتٍ، فنادته بحنقٍ:
-ما ترد عليا يا زهد!
نهض متنهدًا بتعبٍ:
-أنا طالع أنام، تصبحي على خير.
3
وبالفعل اختفى من أمامها في لحظاتٍ، فظلت حانقة تهمس بغضبٍ:
-أهو ده اللي باخده منك، استغفر الله العظيم يا رب!
***
-يلا افتح بؤقك.
قالتها شادية وهي تُقرب الملعقة من فم عمار الذي أكل ما فيها مبتسمًا بسعادة طفولية للغاية، حيث كان يبتسم لها طوال الوقت فلم تجد بُدًا سوى من أن تبتسم وهي تملأ الملعقة مجددًا بالحساء الذي حضرته خصيصًا له وقالت:
-بتضحكلي كده ليه؟!
رفعت الملعقة لفمه فأكلها وابتلعها بلحظة قائلًا:
-إنتِ جميلة.
تصنمت يدها وازدردت لعابها بحرجٍ، ثم ابتسمت بسمة لم تصل لعينها وأجابت:
-وإنت كمان جميل يا عمّار.
رفعت الملعقة إليه فرفضها بتذمرٍ:
-معدتش جعان.
-إنت مكلتش غير معلقتين، يلا كمل الطبق ده كله عشان تبقى قوي.
لمعت عينيه ببراءة:
-يعني أنا لو خلصته هبقى قوي زي شاهين؟
ضحكت شادية بمرحٍ وهي ترفع الملعقة إلى فمه فالتقطها بتلقائية:
-طبعًا، وهتبقى أقوى من شاهين مليون مرة كمان.
ابتسم بحماسٍ مصفقًا:
-وهعرف أبوسك؟!
3
توقفت الملعقة في منتصف طريقها إلى فمه، وارتجفت يدها الممسكة بها هاتفة بتلعثم:
-تـ..تإيه! مين قالك كده يا عمار!!
هز منكبيه ببراءة ينحني فيلتقط ما بالملعقة:
-شوفت شاهين بيعمل كده.
رفعت حاجبها بحرص:
-بيعمل إيه بالظبط؟
انحنى عليها فجأةً، فتراجعت بظهرها للخلف واهتز الطبق والملعقة بيديها، ناظرها ببراءة متأملًا ملامحها، يجري بعينيه على وجهها المرتبك، مال على ثغرها، وطبع قُبلة كخفة الفراشة، مبتعدًا في اللحظة التي جحظت فيها عيونها بصدمة، وتصبغت وجنتيها بلونٍ أحمر كلون الدم.
2
-بيعمل كده مع يسرا في المطبخ.
تسارعت دقات قلبها تنظر له، وقد توجعت عظام ظهرها من وضعيتها الغير مريحة، فانتفضت تقف بذعرٍ مما تسبب في تساقط بعضًا من الحساء على الملاءة، ألقت الملعقة في الطبق، وأعطتهم لعمار الذي التقطهم بطاعة وهو يراها تهرول مغادرة الغرفة حافية القدمين!
خرجت من الغرفة ووقفت في الردهة تلهث بعينين جاحظتين في صدمةٍ، تضع كفها على صدرها المهتز بمضخة تنبض بلا توقف! وبكفها الآخر تحسست شفتيها برهبةٍ!
كانت وفاء تمر من جوارها وما إن رأتها حتى ناظرتها بتعجبٍ:
-إيه ده! إنتِ واقفة كده ليه؟؟
ونظرت لقدميها الحافيتين ثم رفعت حاجبها بتساؤل فأجابت شادية بارتباكٍ:
-كـ…كنت بجيب ماية.
حدجتها وفاء بضيقٍ، ثم لوت شفتيها وقالت:
-ما علينا، مشوفتيش ماما؟؟؟
3
هزت رأسها نافية بتيهٍ، فأكملت وفاء سيرها لغرفة شاهين وطرقت الباب وبقت للحظاتٍ حتى خرج شاهين بجذعه العلوي عاريًا وخصلاته مشعثة حيث يفكرها متثائبًا، فانتفضت بذعرٍ:
-إنت عريان كده ليه؟!
سألته وفاء بضيقٍ وهي تنكس رأسها بحرجٍ، فأجابها بمللٍ:
-واحد قاعد في أوضته مع مراته براحته! يقعد ملط يتشقلب إنتِ مالك!!!
2
لوت شفتيها بضيقٍ وهتفت:
-عمومًا كنت طالعة أقولكم إن مامت يُسرا تحت وعايزة تطلع.
أومأ ببرودٍ:
-ماشي طلعيها.
ثم صفع الباب في وجهها فانتفضت بخضةٍ وتمتمت وهي تهبط الدرج:
-إيه القرف ده، مترباش بصحيح.
دخل يقترب من يُسرا النائمة في سلامٍ على الفراش، جلس جوارها يمسح على خصلاتها برفقٍ متمتمًا باسمها، حتى تقلبت في الفراش مغمغمة بنعاسٍ ليخبرها بابتسامة وهو يميل فيلثم جبينها بشغفٍ:
-اصحي يا يُسر مامتك تحت.
تنهدت بتعبٍ وتمتمت:
-مش قادرة أقوم.
نهض يزيح عنها الأغطية، ثم حملها بين يديه فتشبثت بعنقه وأسندت رأسها إلى صدره بوهنٍ، وتوجه بها إلى المرحاض صافعًا الباب خلفه..
وبعد قليل هرولت ناهد تقتحم الغرفة وخلفها كلًا من ياسر وسلمى ويارا ولؤي، هرولت إلى ابنتها المسطحة على الفراش تستند بظهرها عليه بوجهٍ شاحب وجسدٍ هزيل، ألقت حقيبتها بإهمالٍ وجلست تحتضن ابنتها برفقٍ هاتفة بلهفةٍ:
-يسرا، يا حبيبتي يا بنتي، يا حبيبتي.
ضمتها بلينٍ فتأوهت يسرا هامسة:
-براحة يا ماما.
-حاضر يا حبيبتي، حاضر اهو.
قالتها ناهد بطاعةٍ وهي تُعيد ابنتها لتستند على الفراش مجددًا، رفعت عينيها الغاضبة تنظر لشاهين بمنتهى الإنفعال:
-كل ده يحصل وأنا آخر من يعلم! بنتي تخش مستشفى وتسقط وأنا أجيلها بعدها بيوم! يرضي مين ده!
قلّب شاهين عينيه، والتقط سترة حُلته استعدادًا للخروج:
-بنتك محتاجالك، خليكِ جنبها وبطلي رغي.
2
رفعت ناهد حاجبيها بحدةٍ، فيما انحنى شاهين يلثم جبين يُسرا هامسًا أمام عينيها ببسمة رقيقة:
-هخلص شوية حاجات وأرجعلك، عايزة حاجة؟
هزت رأسها نافية وهمست بصوتٍ مبحوحٍ:
-متتأخرش.
عاد يلثم جبينها متمتمًا:
-حاضر.
وانتصب رامقًا ناهد ببرودٍ، ثم أشار لياسر ويارا وسلمى:
-اتفضلوا متقفوش.
وخرج من الغرفة إذ تصله دعوات ناهد المستمرة الحاقدة:
-حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله فيهم، فوضت أمري ليك يا رب تجيبلي حق بنتي وحفيدتي يا رب.
وياسر يُهدئها:
-خلاص يا ماما بقا.
نظرت ناهد لإبنتها متسائلة بقلقٍ:
-إيه اللي حصل يا يُسرا مين عمل فيكِ كده يا بنتي!
ظلت يُسرا تنظر للأمام بخواءٍ، فاستطردت ناهد وهي تضرب على فخذيها بقلة حيلةٍ:
-آه ياني، حذرتك..والله حذرتك قولتلك العيلة دي مش سالكة والراجل ده لا هو شبهنا ولا من توبنا.
تنهدت بتعبٍ وهي تضرب كفيها ببعضهما وتتمتم:
-قتل البت وجدها إلهي ربنا ينتقم منه في أغلى ما عنده..
وقالت يارا بتحذيرٍ:
-خلاص بقا يا ماما مش وقته!
انحنت تربت على كتف أختها بحنوٍ:
-ألف سلامة عليكِ يا أبلة.
ابتسمت يُسرا لأختها بسمة لم تصل لعينيها، فانحنت يارا تحتضنها إلى صدرها واستسلمت الأخيرة لذلك باعين فاغرة.
فيما كان فهيم بالأسفل يحادث وفاء غاضبًا:
-يعني إيه مهياش في البيت! راحت فين دي!!
-معرفش يا عمي والله..أنا قلقانة عليها أوي.
قالتها وفاء بذعرٍ، فيما نزل شاهين يقول ببرودٍ:
-أنا مش رايح الشغل انهارده، ابقى روح إنت يا شفيق.
أومأ الآخر مُقدرًا ظروف ابن عمه، ونهض يسير إليه:
-استنى جاي معاك.
فيما تحدث فهيم بجدية:
-فضيلة محدش شافها؟
تنهد شفيق بعمقٍ:
-لا والله يا عمي.
فيما كان شاهين يقف بهدوءٍ واضعًا كفه في جيب بنطاله وينظر للذعر المنتشر في المنزل بجمودٍ..
-هتكون راحت فين بس!
قالها فهيم بقلقٍ، بينما تحدثت سناء:
-أنا كلمت فيفي وهي كمان متعرفش هي فين.
تدخلت دُرة بملامح مرتعبة:
-هنفضل كده! ما تدوروا عليها!
التفت شاهين لشفيق هاتفًا:
-يلا؟
أومأ الآخر وخرجوا معًا، يسبقه شاهين الذي ترك خلف ظهره تساؤلاتهم وذعرهم على فضيلة خارجًا بمنتهى البرود.
1
-هنروح المستشفى نجيب الشهادة وندفنها.
قالها بقلبٍ يتلوى كمدًا في باطنه وظاهره جمودًا كالصخر، فيما ضغط شفيق على شفتيه مشفقًا وأومأ له، وولجا للسيارة مغادرين المكان.
3
***
ضحكت حسناء بمرحٍ هاتفة:
-يا لطيف! مش معقول إياد ده دمه خفيف بشكل !
تنهد فهد وهو يهز رأسه عدة مراتٍ:
-يعني.
رفعت حاجبها بحرصٍ:
-إنت ليه مش عايزه يبقى صاحبك؟
قالتها وهي تقضم شطيرة الفول وتنظر إليه بتركيزٍ، فإذا به يهز كتفيه بلا مبالاةٍ:
-كده..مش بحبه.
غمغمت بتفكيرٍ ثم قالت:
-كداب.
ناظرها فجأةً بانزعاجٍ، فاستطردت:
-إنت مش عايزه ياخد مكان بلال، وشايف إن هو السبب في موته، عشان كده مش عايزه جنبك بس مجبر تخليه لأن هو الوحيد اللي هيعرف يساعدك.
لماذا تلك الفتاة تعلم عنه كل شيءٍ!
لماذا تبدو وكأنه تدرسه كمادة نجاح!
-إنتِ إزاي فضحاني كده! أنا عمر ما حد فهمني بالشكل ده!
1
رفعت حاجبها باغترارٍ:
-عيب عليك إحنا بنهزر هنا ولا إيه.
ضحك وناظرها بتركيزٍ، ثم سأل:
-إنتِ بتحبي الأغاني؟
-لأ، حرام.
زم شفتيه بإحباطٍ، فابتسمت:
-بتدور على حاجة مشتركة بينا صح؟
ناظرها بانبهارٍ، سرعان ما هز رأسه يمنى ويسرى:
-معدتش هتفاجئ خلاص.
ضحكت بمرحٍ، ونفضت كفيها من بقايا الشطيرة وقالت:
-أنا بحب الموشحات، من غير موسيقى طبعًا، وبحب داليدا…بحب داليدا أوي.
سألها:
-بتحبيلها إيه؟
حمحمت ونصبت ظهرها مستعدة لتأدية الأغنية:
-كلمة حلوة وكلمتين
حلوة يا بلدي
غنوة حلوة وغنوتين
فاكرة يا بلدي
أملي دايمًا كان يا بلدي
إني أرجعلك يا بلدي
وأفضل دايمًا جنبك
على طووووول
اخرسها بـ:
-شششش إيه الصوت ده!
عقدت حاجبيها بانزعاجٍ:
-متهزرش! وحش؟؟؟
-إنتِ متفاجئة بجد!!! أيوه وحش! ده نشاذ!!!!
1
سخرت:
-ما تسمعني صوتك يا كاريوكي عصرك!
-هيبة الداخلية تتهز يا ماما مينفعش.
ضحكت باستهزاءٍ:
-هيبة الداخلية آه.
ضحك لبرهةٍ، ثم تنهد متمتمًا:
-يا ريت كان ينفع.
أمسكته فسألت وهي ترتشف من زجاجة المياه:
-ينفع إيه؟
-نتجوز.
2
غصت في المياه وسعلت بقوة مربتة على صدرها بألمٍ، التفتت تنظر له فوجدته جديًا لتقول بذهولٍ:
-نتجوز إيه يا عم! هو عشان بتأكلني وتحكيلي فضايحك تقولي نتجوز!
-إنتِ عندك فوبيا من الجواز يا حسناء؟!
ارتبكت معالمها وتلعثمت في القول:
-يعني حاجة زي كده، وبعدين مش موضوعنا..
أشهرت إصبعها في وجهه مُحذرة:
-اوعى تجيب السيرة دي أبدًا إنت فاهم!
هز منكبيه ببساطةٍ:
-إنتِ أصلًا not my type.
3
ابتسمت ساخرة وتمتمت بتهكمٍ:
-أومال.
فاستطرد:
-وبعدين أنا راجل مُخلص لمراتي.
صمتا قليلًا، ليقطعه بقوله المرح:
-ممكن في حياة تانية كنا هنكون متجوزين!
هزت رأسها نافية:
-مفيش حياة تانية، هي حياة واحدة بنعيشها زي ما ربنا كاتبهالنا، ولا تغيير لقضاءه وقدره.
-أنا عن نفسي لو اتطبقت نظرية العوالم الموازية وقابلتك في عالم تاني هتجوزك.
ضحكت بعدم تصديقٍ:
-يا راجل! هو أنا مش كنت not your type!!!
حك عنقه بحرجٍ:
-لأ ما كنتِ هتكوني my type وقتها بقا.
أومأت مبتسمة فتابع:
-وبعدين كنت هعملك فرح كبير ويحضره فنانين ومغنيين وأغنيلك أغنية داليدا اللي بتحبيها.
-يا عم حرام!
-دي مرة في العمر يا حسناء!
-بس حرام، المرة دي بنعيشها عشان ربنا يكرمنا فيها ونعيشها صح مش نهري نفسنا أغاني وحُرمانيات.
زفر بنزقٍ:
-إنتِ خنيقة!
-أنا خنيقة!!!
أومأ بشدة، فعقدت حاجبيها بانزعاجٍ ونظرت للأمام بضيقٍ، فابتسم وشاكسها:
-ما ترزعيني واحدة قول يا حبيبي إنت سايبني ورايح فين كده؟!
-انت مش قولت صوتك وحش!
-يا ستي وهو أنا يعني اللي كاريوكي!
نظرا لبعضهما البعض لبرهة، ثم انفجرا ضاحكين على سخافتهما الغير مبررة، سرعان ما بدأت تُغني بصوتٍ هامس حتى لا يسمعها المارة وشاركها الغناء بصوته الأبح:
-قول يا حبيبي انت سايبني ورايح فين
أجمل لحن ده هنغنيه إحنا الإتنين
يا ما أحلى كلمة بلدي في غنوة بين سطرين
يا ليل يا عين
يا عين يا ليل
صمتت وهي تتحسس رقبتها بوجعٍ، فوجدته يسألها مجددًا بإصرارٍ:
-لو كنا في زمن تاني، تحبي اسمك يبقى إيه؟
همهمت قليلًا مُفكرة، ثم أجابته:
-عين، أو بحر.
-اشمعنا؟
تنهدت بحالمية:
-عين اسم موسيقي، بحر اسم غامض كده ومختلف، تخيل يبقى اسمي بحر هانم وعيني زرقا زي لون البحر كده وعندي غمازتين.
-ما تغيري اسمك أسهل!
قالها ساخرًا فرمقته بضيقٍ:
-وإنت مين قالك إني كارهة اسم حسناء! ده يخبل.
التقط قمامتهما ووضعها في الكيس وهو يقول:
-حاسس إن في كل الأكوان دي هتبقي برده بتحبي الأسود.
ابتسمت بلطفٍ وهي تتحسس خمارها الأسود:
-ده حقيقي، أنا فعلًا هحب الأسود في كل الأكوان.
-زي حلم!
ابتسم مردفًا، فابتسمت له برقةٍ:
-الله يرحمها.
نظر لساعة يده وعاد ينظر لها هاتفًا:
-يلا يا ست عين بحر داليدا ورايا شغل.
نزلت من على السور هاتفة بحنقٍ:
-دمك تقيل!
سارا سويًا مغادرين حيث ألقى القمامة في السلة المجاورة لهما وأكملا سيرهما في حديثٍ لم ينقطع سوى بإيصالها للمستشفى.
***
-خلي بالك منها وابعدي عنها زنوبة!
أنهت يمنى حديثها مع العاملات بالقصر، توصيهم على أمها القعيدة، أغلقت الهاتف وجلست جوار شهد التي تحركت ابرتي التريكو بشرودٍ..
-أنا والله ما عارفة طاوعتكم ازاي وسبت ماما كده لوحدها هناك.
قالتها بهمٍ وهي تتنهد، فقالت سارة التي تأكل كل ما تطاله يدها:
-هما هياكلوها يا يمنى! وبعدين هتيجي تقعد فين ولا مين هيهتم بيها، كده أحسن صدقيني.
ناظرتها يمنى بسخرية:
-طب خِفي أكل شوية مش هتبقي إنتِ وفادي وساجد ونارين سيبولنا حاجة ناكلها!
وعلى ذِكر فادي دخل المنزل يصيح بمرحٍ:
-شامم ريحة كُفتة مشوية ومعمر بفراخ، أنا جعان!
قلّبت يمنى عينيها بمللٍ، فيما ضحكت آيات وقالت:
-حبيبي يا ابني، الكفتة لسه هشويها والمعمر في الفرن، ربع ساعة والأكل يجهز.
نهضت آيات للمطبخ، فيما ارتمى فادي جالسًا جوار أمه يُقبّل كتفها بحنوٍ ويعيد ظهره للخلف مُريحًا ذراعه خلفها على الأريكة:
-القمر مكشر ليه؟!
ابتسمت بسمة خافتة:
-مفيش يا حبيبي إنت عامل إيه؟!
عقد حاجبيه متعجبًا:
-لأ فيه يا ماما مالك!
لوت يمنى شفتيها بسخرية:
-هيكون مالها يعني؟! أخوك اسم الله عليه جايبلها وجايبلنا السكر والضغط.
7
زفر فادي بضيقٍ، فيما نهضت شهد وانصرفت من أمامهم دون أن تنبس بكلمة، فهمست يمنى لفادي:
-عرفت مصيبة جديدة عن أخوك وبقت زي ما أنت شايف كده من ساعة حفلة إمبارح.
-يعني هو السبب في حالتها دي!
ضحكت يمنى باستهزاءٍ:
-طبعًا وهو بيجي من وراه حاجة غير البلاوي إلهي ربنا ينكد عليه عيشته زي ما منكد علينا.
2
عقد فادي حاجبيه بضيقٍ:
-لو سمحتِ يا طنط متدعيش عليه!
2
-طول عمرك قلبك أبيض وعبيط.
قالتها بسخرية وهي تنهض فتركته بمفرده جالسًا يُفكر بشرودٍ في علاقته المتدهورة بأخيه والتي أودت بصحة أمهما!
***
-شهادة الوفاة بتاعت البنت.
التقطها شاهين بأيدي مرتجفة، فلم يكد يصنع لها شهادة ميلادها حتى رأى شهادة وفاتها قبل ذلك!
ابتلع ريقه وتحدث بصوتٍ مبحوح لشفيق:
-وهي فين؟
-بيكفنوها، قولتلهم إحنا هندفنها في مدافن العيلة.
أغمض عينيه يعتصرهما بقوةٍ، ثم فتحهما ناظرًا لشفيق بتحذيرٍ:
-يسرا متعرفش حاجة يا شفيق دلوقتي
أومأ شفيق وهو يرمقه بشفقةٍ:
-طبعا يا شاهين مش محتاج تقولي.
وبعد ساعة كانوا أمام مدافن العائلة، حيث خرج شاهين من السيارة ومال يحمل جثمانها المكفن بالأبيض، وانحنى يُقبّل جبينها برقة هامسا بأعين لامعة بالدموع:
-كان نفسي ألعب معاكِ، أبوسك، أشم ريحتك، أرجع ألاقي أمك شيلاكِ ومستنيني! كان نفسي أنيمك، أطبطب عليكِ، كان نفسي أكبر وتكبري معايا، كان نفسي أشوفك وأتكلم معاكِ وتضحكيلي، كان نفسي فيكِ يا بنتي.
6
تنهد بحُرقةٍ مبتسمًا وهو يتمتم:
-نتقابل في الجنة يا يُسر
وضعها برفقٍ في الحُفرة المصنوعة لها، والشاهد المكتوب باسمها، الطفلة التي لم تكن تلتقط أنفاسها في تلك الحياة الجديدة حتى قطعت أنفاسها تماما!
يُسر شاهين فهيم سُليمان الحلواني
رُدِم على جسدها، وأُهيل عليه التراب..
وماتت ابنته قبل أن يراها، يلمسها، يُقبلها او يلاعبها..
تنفس بعمقٍ، وازدرد لعابه وتماسك من جديد..
اشتعلت عينيه بالغضب، وارتدى نظارته الشمسية واستقل سيارته مغادرًا، بينما وقف شفيق محدقًا في التراب الذي أخلفه هرولة السيارة على الطريق بشفقةٍ..
استقرت سيارته في مكانٍ مجهور، ترجل منها فقابله أحد رجاله وأومأ له محييًا، دخل المكان المعتم ذو الرائحة النتنة، وابتسم حين رآها تُعاني كما عانت زوجته!
-منورة يا فضيلة.
رفعت عينيها بضعفٍ إليه، هامسة بصوتٍ مبحوح:
-إنت فاكر أبوك هيسكت؟؟؟ زمانه دلوقتي قالب الدنيا عليا، هتقوله إيه؟؟؟ خطفتها وبعذبها؟؟
ضحك ساخرًا، وجلس على المقعد الذي جلبه الحارس يرفع ساقه واضعًا إياها على الأخرى أمام عينيها:
-لأ بعذب إيه، إنتِ لحد دلوقتي مخطوفة بس، التعذيب لسه جاي.
-مش هتعدي بالساهل يا شاهين!
جز على أسنانه، وأنزل ساقيه يقترب بجذعه من مرقدها هامسًا بغضبٍ مكتوم:
-أنا دفنت بنتي…قبل حتى ما أحضنها! مراتي في البيت بتموت كل لحظة عشان خسرت بنتها اللي حملت فيها ٩ شهور، كل ده بسببك! محدش هيقدر يحوشني عنك يا فضيلة!
عاد بظهره للخلف هاتفًا باغترارٍ:
-هي واحدة بس اللي تقدر، ومعتقدش إنها عايزة تشوفك كويسة!
صرخت بجنونٍ:
-اقتلني! اقتلني زي ما قتلتها وريحني!!!!
قهقه ساخرًا:
-أقتلك؟؟؟؟ أنا مش هقتلك، القتل رحمة ليكِ، أنا هعذبك زي ما عذبتيها، هبكيكِ بدل الدموع دم!وهسيب الباقي للزمن…لأنها هتلف تلف وتتردلك يا فضيلة!
1
ناظرته بخوفٍ، تلك النظرة بعينيه لم تبشرها سوى بدمارٍ قد أتى، عاصفةً قد حلت وانتهى الأمر!
نهض يُعدّل من حُلته ويُغلق زِرها، ولم ينسَ أن يرمقها بازدراءٍ قبل ان يلتفت ليغادر ولم ينسَ أيضًا أن يُوصي رجاله عليها..
-جهزولها أوضة ملوكي، وحطولها عشرين تلاتين ضيف صغيرين كده يونسوها، ومتنساش تحطلها من الدوا في العصير.
أومأ له بطاعةٍ:
-أوامرك يا باشا.
استطرد بصرامةٍ:
-متدولهاش بؤق ماية، لا أكل ولا شرب العصير بس…سامع؟؟؟
2
أومأ له، فتابع شاهين سيره للخارج وولج سيارته ثم انطلق بها محدثًا غبارًا خلفه..
تمامًا كالغبار الذي أحدثه في عائلته الآن!
***
جلس فهد أمام صادق وفريقه ومعهم إياد، يشاهدون كل الفيديوهات المسجلة على الفلاشة الخاصة بمومو _المرحوم_..
أغلق صادق الشاشة وعاد بنظره لرفاقه واحدًا واحدًا يقول بتأنٍ:
-مجرد فيديوهات خايبة لتوزيع مخدرات وعمليات سابقة في سينا، لا ظاهر فيها شكله ولا صوته.
تأفف إياد بضيقٍ:
-وبعدين! أنا بدأت أتضايق!
فيما قال فهد بجدية:
-الكلب ده مش سايب ثغرة نخشله منها! مش معقول عامل حسابه لكل حاجة! إيه مبيغلطش!!!!
تحدث مُنيب بنبرة هادئة:
-أنا ممكن أحاول أحلل الصوت .
هز رضوان رأسه نافيًا:
-مش هيفيدنا في حاجة!
وقال رزق بصوته الرخيم الذي يُفزع إياد كلما يصدر منه:
-ما نجرب مش هنخسر حاجة.
أومأ صادق مؤيدًا:
-جرب يا منيب.
-اشطا يا boss.
فيما تحرك رزق بنظره لإياد الذي يرمقه بتوجسٍ وهدر بصوتٍ أبح:
-فيه حاجة؟؟؟؟
هز إياد رأسه مبتسمًا بذعرٍ:
-أبدًا يا باشا سلامتك.
خرجوا من الغرفة وتوجهوا إلى مكتب اللواء جمال ليطلعوه على أحدث المستجدات، دخل فهد آخرهم وجلس أمام اللواء دون أن ينظر له حتى، فيما تحدث صادق بكل ما توصلوا إليه، وجلس فهد يعبث في هاتفه بلا مبالاةٍ حتى التقطته جمال وقال بجدية:
-والبيه اللي بيلعب في موبايله، وصل لإيه؟
تحدث ساخرًا:
-إحنا فريق، يعني اللي هما هيوصلوله أنا كمان هوصله!
رمقه جمال بضيقٍ، ورفع إصبعه محذرًا:
-أنا مش هستحملك كتير عشان يكون في علمك بس.
هز منكبيه ببساطة:
-مش هتفرق يا سيادة اللوا، كده كده اللي كان ماسكني مات.
صك جمال على أسنانه واستطرد:
-خليك فاكر إنه مات، مات وشبع موت..واللي بتعمله ده مش هيرجعه.
ذلك الرجل! يريد بأي شكلٍ أن يكبحه عن الإمساك بإبنه رغم علمه بقذارته!
-بس هيرجع حقه، ولا إنت مش عايز ترجع حق جوز بنتك؟؟؟
رمقه جمال بضيقٍ:
-هنرجعه، بس بالعقل.
قهقه فهد ضاحكًا بتهكمٍ وصرخ بانفعالٍ:
-عقل؟ ضحكتني والله…عقل إيه اللي يخليك بتبطئ أي خطوة في العملية عشان تحمي إبنك؟؟ عقل إيه اللي يخليك تبعت راجل من فريقك يحمي إبنك بدل ما يمسكه؟؟ عقل إيه اللي يخليك تضحي برُبع رجالة الداخلية عشان تحمي إبنك القذر يا سيادة اللوا!!!
انتفض جمال يضرب على مكتبه بعنفٍ صارخًا:
-وطي صوتك وفوق لإنت بتكلم مين! أنا اللوا يا حيوان!!
أبهذه الطريقة يردعه؟؟ ليس هو من يُردع بصرخة أو بتهديدٍ، فابتسم مستهزئًا وصاح:
-طُـــــــز.
4
جذبه إياد للخلف هامسًا:
-بس الله يخربيتك بتهبب إيه!
اتسعت حدقتي جمال ونهض يُشير للباب:
-اطلع برا…براااا.
نهض الآخر ينفض ثيابه مزدريًا:
-برا برا وأنا مطرود من الجنة.
خرج فهد فلحقه إياد هادرًا:
-إنت يا ابني إيه التخلف ده بتزعق في اللوا!
أشاح بكفه:
-إياد ابعد عن خلقتي أنا مش طايق نفسي.
-طب رايح فين!
سأله بحيرة متوقفًا في منتصف الممر، فأكمل الآخر سيره صارخًا:
-رايح في داهية.
***
دخل شاهين الغرفة ليجد ناهد لم ترحل بعد رغم رحيل ياسر وسلمى ويارا وكذلك لؤي، فزفر حانقًا واقترب من زوجته المُسطحة على الفراش جوار أمها التي تقرأ عليها بضع آياتٍ من القرءان، انحنى يلثم جبينها هامسًا وهو يمسد على خصلاتها:
-عاملة إيه؟؟
ابتسمت له بشحوبٍ هامسة بصوتٍ مبحوح:
-الحمدلله.
انتصب ينظر لوالدتها مكفهرة الملامح وقال:
-ازيك يا حماتي.
لوت شفتيها بسخرية:
-أحسن منك يا أخويا.
قلّب عينيه بمللٍ، وخلع سترته وكاد يخلع ثيابه كاملةً لولا صراخ ناهد:
-إيه؟؟؟ هتقلع قدامي كده!
التفت لها متحدثًا بسخرية:
-معلش، نسيت إنك هنا.
ابتعدت عن ابنتها، ووقفت أمامه مباشرةً قائلة بحدة:
-بقولك إيه من غير لف ودوران، بنتي هترجع بيتها معايا يا شاهين.
جلس على طرف الفراش ليخلع حذاءه قائلًا:
-بنتك ده زمان، دلوقتي دي مراتي، ومش هتتحرك من هنا سنتي واحد، وطول ما أنا عايش أقدر آخد بالي منها.
-كنت خدت بالك من بنتك اللي أهلك قتلوها!
رفع عينيه ببطءٍ إليها، كاد يجيبها بما يلوع قلبها ويضربها في مقتلٍ، لولا قول يُسرا الخافت:
-شاهين.
التفت لها سريعًا واقترب منها يسأل بلهفة:
-نعم.
-جعانة.
أومأ عدة مراتٍ مبتسمًا:
-عايزة تاكلي إيه؟؟؟
ازدردت لعابها بتعبٍ:
-أي حاجة.
سار لباب الغرفة ونادى على إحدى الخادمات من أعلى فوقفت أسفل الدرج تسمعه يُملي عليها ما لذ وطاب من أكلات لتحضرها في الحال فأومأت، فيما عاد لغرفته ونظر لناهد بضيقٍ:
-هتفضلي مشرفانا؟؟؟ عايز أقعد مع مراتي شوية.
رمقته بازدراءٍ، والتفتت تنحنى نحو ابنتها هامسة:
-هتفضلي معاه!
ناظرتها يُسرا بضعفٍ، وأومأت ببطءٍ، فهزت ناهد رأسها يمنى ويسرى بقلة حيلة، وانحنت تقبل جبين ابنتها هامسة بحنوٍ:
-ماشي، أنا هجيلك تاني بكرا، خدي بالك من نفسك وهبقى أكلمك.
ابتسمت يُسرا بشحوبٍ، فيما التقطت ناهد حقيبتها بعنفٍ وهي ترمق شاهين نظرة جانبية مشتعلة، فابتسم لها هادرًا:
-ابعت معاكِ السواق طيب!
صفعت باب الغرفة دلالةً على غضبها، فضحك ساخرًا:
-لو مكنتيش تحلفي بس..
1
خلع قميصه وبقى عاري الجذع، واقترب منها متلمسًا كتفيها بحنوٍ:
-عاملة إيه دلوقتي؟
ابتسمت، وارتفعت بجذعها تلثم ثغره بخفة وهمست:
-كويسة طول ما انت جنبي.
1
مسد على خصلاتها بنعومةٍ:
-وأنا هفضل جنبك على طول.
طرقت الخادمة الباب قائلة:
-الغدا يا شاهين بيه.
نهض يفتح الباب فغضت الطرف عن جذعه العاري، ليحمل منها الصينية ويدخل موصدًا الباب خلفه بقدمه، ناداها بقوله:
-يلا قومي.
اعتدلت على الفراش فوضع الصينية على ساقيها، ومرر عينيه على الطعام:
-أكل ملوكي أهو.
حملت طبق الحساء ووضعته أمامها، والتقطت القليل من الأرز ووضعته به، ثم حملت علبة الملح والفلفل لتضع القليل، وبحثت عن الليمونة ولم تجدها فقالت:
-مفيش لمون؟!
أومأ ناهضًا وهو يقول:
-هجبلك.
خرج من الغرفة وللصدفة كانت دُرة تمر من جواره فناداها:
-دُرة، هاتيلي لمونة معلش.
عقدت حاجبيها بتعجبٍ:
-لمونة؟ ليه؟
زفر حانقًا من فضولها الشبيه بأمها وأجاب ساخرًا:
-هعصرها على نفسي عشان أعرف استحملكم!
2
وقفت متسمرة أمامه بذهولٍ، فصرخ:
-ما تخلصي وهاتي اللمونة!
انتفضت هادرة:
-طيب حاضر!!!
هرولت على الدرج لتجلب له الليمونة، وعادت إليه بعد لحظاتٍ فالتقطها منها هاتفًا:
-شكرًا.
دخل الغرفة مجددًا ليجدها تنتظره، فعصر لها الليمون على الحساء، والتقط قطعة دجاج وراح ينسل لها منها قطعة بقطعة ويضعها في الملعقة المملوءة بالحساء قبل أن تصل لفمها، فتأكل بارتياحٍ هامسة برضا:
-أنا بحب الشوربة والرز أوي.
1
ابتسم وهو يمرر عينيه بشغفٍ على ملامحها المنهكة:
-وأنا بحبك أوي.
3
مررت أناملها على ذقنه بنعومةٍ، وعادت تأكل طعامها في سكونٍ وهو يتابعها بصمتٍ وابتسامة سعيدة تتلاعب على شفتيه إثر رؤيتها تسترد صحتها شيئًا فشيئًا..
***
تنهدت رشا بتوترٍ وهي تجلس أمام بشير العدل، ذلك الذي ناظرها بحماسٍ:
-جاهزة؟
هزت رأسها يمنى ويسرى نافية بشدة، فيما ضحك بشير بمرحٍ:
-لأ اجمدي كده عايزك ترفعي راسي ده أنا مراهن عليكِ!
-أنا خايفة أوي! لأ…أنا مرعوبة! افرض معرفتش أمثل؟ افرض وقفت قدامه زي الخشبة تاني!
اقترب ممسكًا بكفها فسرت رجفة حادة بسائر جسدها وقال بحنوٍ:
-افرضي عرفتي تمثلي، وإنه قعد يمدح فيكِ للصبح، افرضي إنه بعد أسبوعين لقيتِ نفسك بطلة فيلم لوحدك! أو بطلة إعلان لماركة مشهورة!!!
رمقته بعدم تصديقٍ، فاستطرد:
-إنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة يا رشا!
ابتسمت بسمة لم تصل لأذنيها..
لم يخبرها شفيق يومًا أنها تستحق كل شيء..
لم يقدرها شفيق بقدر ما قدرها ذلك الرجل!
-شكرًا يا أستاذ بشير.
1
هز رأسه نافيًا:
-تؤتؤتؤ، بشير…بشير وبس!
1
لمعت عينيها بخجلٍ، ونكست رأسها، حتى رفعتها على صوت المخرج الذي انتظر رؤيتها مجددًا، وبالفعل..
وقفت رشا أمامه وكأنه لا يوجد غيرها في الوجود، أدت الدور ببراعة ذُهِل لها المخرج، والتفت ينظر لصديقه الذي رفع منكبيه بثقةٍ مبتسمًا..
أنهت تأدية دورها فيما نهض المخرج مصفقًا بحماسٍ:
-براڤو! حقيقي براڤو!
وقفت رشا تبتسم بسعادةٍ وهي تسمع إطراؤه اللطيف:
-اكتشفتها إزاي دي يا بشير! أنا مبهور بجد!
-يعني تنفع؟
رفع حاجبيه بانبهارٍِ:
-تنفع جدًا!
ثم أشار عليها:
-اسمعي، إنتِ بكرا تبقي في اللوكيشن اللي هبعتهولك، وهبعتلك الاسكريبت، دور بسيط بس هيعلق مع الناس ولو ده حصل اوعدك هتبقي أشهر من أشهر ممثلة.
والتفت ليغادر وهو يربت على كتف صديقه ضاحكًا بمكرٍ:
-مش سهل إنت برده يا بشير.
غادر الموقع فيما اقتربت رشا من بشير شاكرة ببسمة ممتنة:
-أنا مش عارفة أقولك إيه بجد، شكرًا!
-لأ لو عايزة تشكريني بجد، تسمحيلي اعزمك ع العشا انهارده.
ابتسمت بارتباكٍ وقالت:
-معلش مش هينفع، أصلي …سايبة ماما لوحدها في البيت.
1
كذبة أخرى؟
نعم.
-طب نشرب أي حاجة حتى!
صمتت لتفكر قليلًا، ثم أومأت على مضضٍ فابتسم..وابتسمت في مقابلته برقةٍ.
3
***
كانت نارين تقف أمام المرآة بملابسها المختارة بعناية، وكانت قدر خلفها ترتدي حذاءها وتقول:
-مش مصدقاكِ بجد! رايحة تقابلي واحد لسه عارفاه إمبارح؟؟؟
ضحكت نارين وهي تلتفت لها هاتفة بحماسٍ:
-چنتل أوي يا قدغ ومحتغم جدًا.
هزت الأخرى رأسها يمنى ويسرى ضاحكة بقنوطٍ:
-ربنا يستر يا أختي.
-هيستغ إن شاء الله، وهغجع اسكندغية مخطوبة.
ابتسمت قدر لها، فيما رن هاتف نارين باسمه فالتقطت حقيبتها وهرولت للخارج هاتفة:
-أنا ماشية سلام.
-براحة وإنتِ نازلة طيب!
ضحكت قدر بقنوطٍ، وهبطت خلفها لتجد العائلة بأكملها تستعد للخروج، فاقترب منها فادي والتقط كفها ثم رفعه يلثمه بحبٍ، وحاوط معصمها بإسورة رقيقة تحمل اسميهما في قلبٍ صغير، ابتسمت وقالت:
-دي حلوة أوي!
-تستاهليها.
قالها ببسمة، وجذبها لأحضانه في عناقٍ رقيق، فيما رفعت السورة أمام عينيها تتأملها بحزنٍ..
أحقًا تستحقها؟؟؟
4
-يلا يا ممحونين عايزين نخرج!
قالها ساجد ساخرًا، فحدجه فادي بنظرة محذرة ليُخرج له الآخر لسانه ويهرول للخارج..
وبعد دقائق أغلقت شهد باب الشاليه وساروا جميعًا للسيارات وولجوها حتى سارت بهم إلى البحر.
***
كان أمجد جالسًا على الأريكة بغرفته واضعًا حاسوبه على ساقيه يعبث به في تركيزٍ، وكانت إيميلي مُسطحة على الفراش أمامه وبأحضانها كلبتها، سرعان ما اعتدلت على الفراش وهي تزفر بمللٍ ونادته:
-أمكد.
همهم مجيبًا، فقالت له:
-أنا زهقانه أوي أمكد، I didn’t come all the way from Switzerland to sit here like this!!!
لم يكلف نفسه أن يرفع عينيه عن حاسوبه وينظر لها بل قال بلا مبالاةٍ:
-ما إحنا لسه خارجين إمبارح يا إيميلي.
-مش أقصد هروك، أيزه اتفسه معاك أمكد!!
-إيميلي كلها كام يوم ونرجع تاني سويسرا، فمشي الدنيا بالله عليكِ بقا.
قالها حانقًا وهو يُغلق الحاسوب، ثم نهض متوجهًا إلى المرحاض تاركًا إيميلي جالسة على الفراش بملامح مكفهرة غاضبة!
وعندما خرج كانت تتحدث في هاتفها بانفعالٍ:
-زهقت بكد ماما صوفي!
رفع حاجبه بحدة:
-إنتِ بتكلمي أمي!!!
2
ناظرته بغضبٍ:
-yes ..and she’s very annoying because of you!!
انتشل منها الهاتف قسرًا ووضعه على أذنه محادثًا أمه:
-ماما لو سمحتي مالكيش دعوة..
سمعها تصيح فيه بغضبٍ، فزفر بنفاد صبرٍ وعض على شفته السُفلى بكبتٍ:
-حاضر.
نظر لإيميلي التي تربع ذراعيها أمامها بشماتةٍ وتوعد لها بنظرته مستأنفًا:
-حاااضر يا ماما، لأ مش هنطول هنرجع على طول، حاضر…حاجة تانية؟؟؟
أغلق الهاتف معها مودعًا، ثم ألقاه على الفراش وصرخ:
-بتكلمي أمي تشتكيلها؟؟؟ هخاف أنا كده يعني!!
-كل ده بسببك! قولتلك أنا زهقت هنا وإنت مش تسمع ليا! عيلتك كلها مهبتنيش وأنا مش أيزة أفضل في بيت ده أمكد!
-قولتلك هنتنيل نرجع كمان كام يوم! لازمتها إيه لوية البوز والكلام ده!!!
التمعت العبرات في عينيها بتأثر هامسة بصدمةٍ:
-إنت تكلمني أنا كده أمكد؟؟؟؟
زفر حانقًا وأشار بكفه وهو يخرج من الغرفة صافعًا الباب خلفه بضيقٍ، فيما بقت هي تبكي بنهنهة خفيفة تأثرًا بنبرته القاسية معها.
1
***
بعد مرور أسبوع..
عاون شاهين زوجته على الجلوس على مائدة الطعام لتناول إفطارها، متجاهلًا تمامًا حالة أبيه المزرية بسبب بحثه المستميت عن زوجته التي لم يجدها حتى الآن!
وضع في صحنها الطعام وبدأ يُطعمها بيديه في رقةٍ، كلما أنهت المضغ كلما ملئ فمها بالطعام..
جاءت الخادمة لتضع آخر طبق ثم همست لفهيم بشيءٍ في توترٍ، فنهض معها وأخذته في ركنٍ قصي، دقيقتين فقط وكان فهيم يصيح بغضبٍ:
-شاهين!!
وقف جواره صارخًا:
-إنت خطفت فضيلة!!!
نظرت يُسرا لفهيم مجفلة، فقال زوجها وهو يمد يده إليها بلقمةٍ:
-كُلي يا حبيبتي.
1
التقطت منه اللقمة وسمعته يقول ببرودٍ:
-آه، خطفتها.
1
صرخ فهيم:
-يا برودك! شايف أبوك وأخواتك بقالهم أسبوع دايخين عليها وتقولي آه!!! فضيلة فين يا شاهين!!!
ربت على خصلات زوجته مبتسمًا بحنوٍ:
-شبعتِ يا يُسر؟
أومأت على مضضٍ، فنهض وعاونها على النهوض ونظر بطرف عينه لأبيه المتحفز بغضبٍ:
-دور عليها بعيد عني، لأنها مش هترجع إلا بمزاجي.
سحب زوجته معه لأعلى متجاهلًا صياح أبوه:
-شاهين! استنى هنا يالا!!!
فيما تحدثت سعاد الكبيرة بقلقٍ:
-الواد لسه خسران بنته، حالته مش متزنة لا هو ولا مراته! براحة عليه يا حج فهيم.
-يقوم يخطف مراتي أنا!! ليه؟ عملتله إيه!!!
لوت سعاد شفتيها بسخرية:
-أقطع دراعي إن ما كانت هي السبب في موت البت.
وكزها زوجها محذرًا، فأثرت الصمت بلا مبالاةٍ وتابعت تناول إفطارها في هدوءٍ.
***
دخلا غرفتهما فأغلق الباب، التفت ليجدها تقف تناظره بابتسامة، فبادلها ذلك وقال:
-ارتاحي يلا.
رآها بأم عينيه تقترب منه، ترتفع على أطراف أصابعها لتطال عنقه، ثم تحاوطها وتدفن رأسها فيها هامسة بامتنانٍ:
-شكرًا يا شاهين.
صفع رأسها بخفة:
-شكرًا على إيه يا هبلة، ده حقك.
عادت تنظر له ببسمة واهنة:
-بس مش من حقنا نخطف الناس يا شاهين، حرام.
تحجج بعدم ارتياحٍ:
-يُسر !
ابتسمت وهي تحاوط وجنته بكفها في حنوٍ:
-رجعها يا شاهين، رجعهالهم يا حبيبي.
وسأل بقنوطٍ:
-وحقك!!
-عند ربنا…أنا واثقة إنه هيجيبهولي.
مسد على خصلاتها هاتفًا بنعومةٍ:
-طب تسمحيلي أجيبلك جزء منه على ما نشوف العدالة الإلهية؟
3
ضحكت، وأومأت، ومع إيماءتها الموافقة..
فليحترق العالم؛ وتبقى يُسرا.
2
***
هزت نارين ساقها بعدم ارتياحٍ وهي تعض على أناملها بقلقٍ ناظرة لهاتفها بتلهفٍ، فيما أخبرتها قدر وهي تدس الثياب في حقيبتها:
-مش هتلمي هدومك؟؟؟
-أحمد مش بيغد.
رفعت حاجبها:
-ليه؟
-معغفش! بقاله فتغة متغير.
هزت منكبيها ببساطةٍ:
-طبيعي يعني ده واحد مبقالكيش أسبوع عرفاه، مش هيفضل لازق في ديلك يعني.
-أنا ما صدقت يا قدغ!
-عشان كده هو مش بيرد! عشان شايفك دايمًا حواليه! يا بنتي ده إنتِ طول الأسبوع مشغولة بيه حتى حفلة عيد الميلاد مستمتعتيش بيها معانا عشان تكلميه!!!
زمت شفتيها بحزنٍ، ونظرت أمامها بشرودٍ هاتفة:
-أنا من حقي أحب يا قدغ! من حقي أشوف حد مهتم بيا ومش بيتغيق على وزني أو لدغتي أو شكلي! من حقي أحب وأتحب زيكم! هو أنا مش بنت زيكم بغده!!!
مالت تجلس جوارها وهي تربت على كتفها برفقٍ:
-من حقك مين قال مش من حقك! بس مش أي واحد يبتسملك تشبطي فيه يا ناري! الحياة مش وردية والرجالة مش عُبط! بيبقوا عايزين غرضهم وخلاص بقا ميفرقش معاهم إنتِ عايزة إيه! نادرًا وممكن مستحيل تلاقي واحد عايزك عشانك مش عشان جسمك أو صوتك أو شكلك!
ناظرتها بأعين لامعة بعبراتٍ مقهورة:
-طب أعمل إيه؟!
لوت قدر شفتيها مُشفقة، فارتمت نارين في أحضانها تبكي حظها العثر، حتى رن هاتفها فالتقطته سريعًا لتجيب فيأتيها قول فتاةٍ:
-إنتِ نارين؟
غمغمت بالإيجاب في قلقٍ، فاستأنفت الأخيرة:
-أحمد في البار اللي على البحر ومعاه بنت جميلة أوي واللي هي صاحبتي فلو سمحتِ يا ريت تيجي تاخديه عشان قارفنا ومش عايز يسيبنا في حالنا!
عقدت حاجبيها بعدم فهمٍ، سرعان ما نهضت مهرولة للخارج دون أن تشرح لقدر التي ركضت خلفها على الدرج تسألها فلم تُجب، وفي النهاية قابلتهم تالين التي تجهزت بالفعل للخروج معهم فأخبرتها قدر أن تلحق بنارين سريعًا! ففعلت على عجلة وولجت السيارة جوار نارين التي انطلقت إلى حيث لا تدري قدر أو تالين!
***
هبط من السيارة وفتح الباب الآخر، جرها منه كالبهيمة وسار بها لداخل القصر، أمسكها من ذراعها وهزها بعنفٍ مناديًا:
-يُسر…يا يُسر!
ولم تخرج يُسرا فقط..
بل خرجوا جميعهم ليروا منظر فضيلة البشع..
شهقت ابنتيها بخوفٍ ورفعت دُرة كفها تغطي به فمها في صدمةٍ ..
فيما هبطت يُسرا الدرج ببطءٍ متعجبة، ووقفت على آخره تنظر لفضيلة بحقدٍ مستعر..
ألقاها أسفل قدميها راكعة، وصرخات بناتها تعلو، وأبيه ينهره صارخًا بجزع، فيما وقفت يُسرا متجمدة الملمح والجسد، ترمقها بصلابةٍ وجمود، لا تسمع صراخ شاهين الذي هدر:
-وغلاوة يسرا عندي اللي هيقرب هقتله وأشرب من دمه! سامعين يا غجر.
1
فقط تنظر لفضيلة المُلقاة أسفل قدميها ترتعش، تنكس رأسه خوفًا…ورعبًا..
وجهها شاحبًا..
عينيها حمراوتين..
وشعرها…مشعث بدرجة مُنفرة!
ناهيك عن كُحل عينيها المُشرَد وثيابها المغبرة..
مالت يُسرا برأسها تناظرها بخواءٍ، تفغر فاهها لتتحدث وتطبق شفتيها مجددًا صامتة، لا تجد ما تقوله أمام ما رأته من جشعٍ…وقذارة!
-آ..يُسرا…سامحيني..أبوس إيدك خليه يسيبني.
تشبثت بساقها طالبة النجدة والعون، ترفع عينيها بتوسل وتضرع، تترجاها أن تنقذها من زوجها الذي أشهدها أسبوعًا من أسوأ الأيام في حياتها! فتجحظ عينيها بصدمةٍ وذعر حين رأت تلك النظرة الجامدة المتبلدة في عينيها، ترمقها بجمودٍ وبرود، لا تحمل ذرة شفقة، فشحب وجهها أكثر فأكثر..
1
-يُـ…يسرا!
تهمس بعدم تصديق، فتنحني الأخيرة إليها، هامسة جوار أذنها بصوتٍ أجش ونبرة ميتة مطعونة:
-قتلتيها يا فضيلة، قطعتي فرامل شاهين الحلواني.
ابتعدت ترمق ملامح وجهه المذعورة بتلذذٍ لأول مرة تستشعره!
ذلك النصر الذي يذوب على الألسنة..
فيعلو الأدينالين..
وينتشي الجسد بلذة الفوز اللحظية!
-لأ..لأ.
تصرخ بإنهيارٍ رافضة، تتشبث بساقها أكثر تتضرع بيأسٍ، والأخيرة قد نهضت ترمقها بتكبرٍ، بنظرة عُليا مزدرية، رأسها مرفوع شامخ، وعينيها أسفل قدميها، على الذليلة اليائسة!
-إيه اللي حصل لكل ده!
وصراخ فهيم يصم الآذان..
فتلتفت يُسرا له، بجسدها الهزيل، ووجهها الشاحب..
تبتسم بمرارة، وتهتف ساخرة وهي تهز كتفيها بخواءٍ:
-لا ولا حاجة، يدوبك بس مراتك سقطتني.
جحظت الأعين، وشحبت الوجوه..
تعالت الشهقات..
واللطمات على الصدور تعوي..
الكلاب تنبح..
ولا زالت الفضيلة تبكي راثية حالها!
التفتت لتعود صومعتها مجددًا..
إلا أنها توقفت فجأةً، تستدير لزوجها الذي ينتظر فقط الإشارة..
وببرودٍ جم، وشرٍ لم ينبثق يومًا من عينيها، بغل الدنيا، وحقد الآخرة، بنيران إبليس، خطت أول خطواتها نحو…الخطيئة:
-عذبها زي ما عذبتني.
2
ولأن أوامر يُسرا مُجابة..
أومأ بعينيه مُطمئِنًا…
بينما جحظت الأعين مصعوقةً!
لقد أمرت الجميلة الوحش بأن يعيث في الأرض فسادًا مُلعنةً بذلك أن الكابح الوحيد له…قد بُتِر!
-سيبها يا شاهين، سيبها وأنا هردلك حقك وحق مراتك.
ضحك ساخرًا وهو يُشير عليها بعينيه:
-لا يا حج كتر خيرك، حق مراتي خدته، وكلها كام يوم ونغور من البيت الزبالة ده باللي فيه، عمومًا مراتك عندك، خليها تغنيك عن ولادك.
التفت بعدما ألقى كلماته المسمومة، وعاد يلتفت متذكرًا:
-آه صحيح…
نقل بصره إليها على الأرض باستهزاءٍ:
-أكلوها حاجة، بقالها أسبوع…جعانة.
أدار ظهره لها وصعد، فيما انحنت وفاء وسناء يعاونوا أمهم على النهوض، فظلت تبكي ونظرت لزوجها بانهيارٍ، فرأته يرمقها بجمودٍ وحمل جلبابه عن الأرض وألقاه عليها هاتفًا:
-طلعوها فوق.
-فهيم.
حاولت استعطافه فصرخ:
-مش عايز أسمع نَفسك! اتنيلي اطلعي فوق بدل ما أكمل عليكِ!!
1
سحبتها وفاء وعاونتهم سناء وصعد ثلاثتهم ببطءٍ، فيما بسطت سعاد كفها على صدرها وهي تنظر لضُرتها برهبةٍ، وقالت رقية بهلعٍ:
-مش مصدقة اللي بيحصل!
ضحكت تماضر ساخرة:
-تستاهل كل اللي يجرالها، طول ما الحية دي معانا في البيت مفيش خير هيخشه أبدًا.
أجلست وفاء وسناء أمهما على فراشها، فاستندت بكفيها جوارها جاحظة العينين مما رأته..
لقد قضت أبشع أسبوع في حياتها بسببه!
مسدت وفاء على كتفها فانتفضت فضيلة برعبٍ من لمستها..
سرعان ما انكمشت ملامحها بوجعٍ رهيب صار ينخر عظامها..
صرخت بألمٍ..
والدماء تسيل من فتحتي أنفها..
وخيط من الدم من عينيها إلى فمها..
وصداع رهيب تملك رأسها..
ألم تلوت له أحشائها..
وجع جعلها تلعن اليوم الذي فكرت فيه أن تقتل طفلًا..
وليس أي طفل!
فصرخت وفاء بخضة:
-ماما!! مالك يا ماما!! يا عمي فهيم…الحقونا يا ناااس.
ولا عزاء للرحمة في القلوب.
***
-استني بس يا ناري اهدي!
قالتها تالين وهي تهرول خلف نارين لداخل المكان..
-خليكِ هنا متخشيش!
اختفت نارين من أمامها فجأةً فبقت تنتظرها وهي تتأفف بضيقٍ!
وقد دخلت المكان بالفعل!
وعلى الجانب الآخر..
وقعت عينيه عليها، فكور شفتيه يُصفر بإعجاب مشيرًا بيده على إحداهن:
-أوبااا..شايفين الوتكة اللي هناك دي
تسلطت أنظارهم على تلك الفتاة المنكمشة في نفسها وتنظر حولها بقلق، فضحك أحدهم وربت على كتف صديقه الذي كان منتبهًا عليها:
-الطلعة دي بتاعت الدنچوان بتاعنا
1
صفر الجميع فابتسم ذلك الشاب بغرور ممزوج بخبث وتجرع ما في الكأس دفعة واحدة واستعد للذهاب والحصول على تلك الفتاة، وربت أصدقاؤه على كتفه هاتفين:
-ارفع رآسنا
وتحرك بتؤدة نحو الفتاة الخائفة والتي ترتجف كالدجاجة منتظرة صديقتها التي أخبرتها أن تبقى بالخارج، ولكن لعنادها دخلت وراءها ولم تجدها حتى الآن، وها هي تقف وحيدة بسبب تهورها والخوف يتآكلها…
وقف أمامها وقيمها من رأسها حتى أخمص قدميها بتركيز، أعجبته كثيرًا وراقت له، لذلك بادر بالحديث راسمًا تلك البسمة التي يظن انها جذابة وهي في الواقع أسمج ما تكون:
-Hi
انتفضت ونظرت له بهلع وانكمشت على نفسها أكثر، فاقترب منها خطوة وعادت مثلها عشرة ولكن لسوء الحظ كانت تقف أمام حائط فالتصقت به، حاوطها واقترب بوجهه منه هامسًا:
-شوفي من الآخر، عجبتيني وعايزك
ابتلعت لعابها بهلع وهتفت بذعر شديد وعينيها الصغيرة ترتجف في محجرها بينما تتحدث بتلعثم وصوتٍ غلبته غصة البكاء:
-حضرتك بتقرب ليه..ابعد عني
ابتسم ساخرًا:
-حضرتك؟ وباللبس دا؟
وأشار بعينيه على ملابسها التي هي عبارة عن فستان قصير صيفي لمنتصف الركبة يصل، فالتمعت الدموع بعينيها وقالت بإرتعاش:
-لو سمحت ابعد عني
اقترب أكثر ضاربًا كلامها عرض الحائط ممسدًا على كتفها العاري:
-دا انا هقرب وأقرب وأقرب
صرخت مذعورة وانتفضت تحاول الإبتعاد ولكنه كان محاصرًا لها فقالت وقد بدأت الدموع تنفجر من حدقتيها:
-أبوس ايدك ابعد عني وسيبني أمشي
ضحك بتهكم وعينيه تلتمع بعبث:
-لا متقلقيش من جهة هتبوسي..فـ انتي هتبوسي وهتتباسي
اقترب منها راغبًا في اقتناص شفتيها حتى يُثبت قدرته أمام رفاقه، فهمهمت معترضة ومالت برأسها بعيدًا عن مرمى شفتيه برفض قاطع والدموع تنساب من عينيها فجذب رأسها من ذقنها بعنف وزمجر بقسوة:
-اثبتي متعصبنيش
أغمضت عينيها بقوة واعتصرتهما والدموع تسيل منهما بغزارة، فابتسم أنس بخبث وقال:
-مالك كدا متعيطيش، خلاص هتجوزك يومين ونقضي المصلحة
1
وأصبح لا يبعد إلا قليلًا عن شفتيها وما كاد يُتم القبلة حتى اخترق كف أحدهم المسافة بين الشفتين يلتصق بفمه ضاغطًا عليه بقوة فتوسعت عين صاحب الشفاه، وقال الرجل الآخر بسخريةٍ:
-مش عيب برده خرتيت يتزواج مع قطة؟
1
لا يعلم من أين يظهر له ذلك الرجل من العدم في كل مرة!
لقد بات كابوسه المُفزع!
1
دفعه عن تالين بكفه الملصق بشفتيه، وأحال بينهما وهو يرمقه بعينين باردتين يقزفان أسهم نارية…
فأزاح الآخر يده عن فمه بعنف رامقًا إياه بغضب صارخًا:
-انت بتعمل ايه هنا
ابتسم بهدوء:
-برازي فيك
استدار لتالين المرتجفة المنتحبة من خلفه وتحدث بإحترام:
-اتفضلي من هنا يا آ…
وقبل أن يتم جملته باغته بأن أداره إليه بعنف ولكمه بعشوائية، فدارت رأس الآخر لليمين..
المرة الثانية..والضربة الثانية من هذا المسخ..
انتصب واقفًا بطوله، تلك المرة أنفه هي المصابة دون أي خسائر -في نظارته-، فأخرج من جيبه منديل وسدّ به إنفجار الدماء حتى مسح القليل فشرق بأنفه وأعاد المنديل مجددًا لجيبه…
وقف أمامه لبرهة وحك طرف فمه بسبابته وهمس بصوت ليس بمنخفض ولكنه هادئ بشكل مخيف مثير للرعب:
-أنا استحملتك كتير..ودا شيء فوق طاقتي الحقيقة
ودون أن يستوعب “أنس” شيئًا كانت قبضة “داغر” ترتطم بوجهه في لكمة عنيفة مؤلمة لشخص “نايتي” مثل أنس …
3
فشهقت تالين ووضعت يدها على فمها بخوف..لذلك أخفض داغر بصره بهدوء قائلًا:
-اتفضلي انتي يا آنسة روَّحي
تحركت بإرتباك وهتفت بتلعثم:
-أنا متشكرة جدًّا يا ….يا أستاذ
وهرولت من المكان سريعًا فقد جاءت هنا بالخطأ من الأصل، بينما زمجـر أنس غاضبًا وقد تعافى من تأثير صدمة اللكمة ونهض لينال من داغر ليجده قد اختفى في لمح البصر وكأنه لم يكن موجود من الأصل، ففغر فاهه مذهولًا ونظر حوله بتعجب..ومن خلفه جاءته الهمسة سريعة تُثير قشعريرته:
-اللي يشوف الست مجرد جسم…تبقى رجولته مجرد اسم
1
التفت له سريعًا ليُفاجئه داغر بضربة رأسٍ أودت به إلى الأرض مُسطحًا أمام رفاقه.
ارتجفت تالين وارتمت في أحضان نارين تبكي بهستيرية فقالت الأخيرة بقلق وهي تربت على ظهرها خوفًا من أن يكون قد أصابها شيء:
-تالين..مالك بس يا حبيبتي.
ردت “تالين” بصوت متهدج:
-واحد حاول..يتـ..يـ…
لم تستطع الإكمال وتابعت البكاء والنحيب بصوت مرتفع متذكرة لمسات ذلك الحقير لها ولجسدها…
لم تفهم “ناري” ما حدث ولكنها ظلت تحاول جاهدة في التخفيف عن صديقتها..
تحدثت ناري بحزن وقد تأجج الغضب بداخلها:
-انا اسفة اني جبتك هنا بس انتي عاغفة (عارفة)، كان لازم اتأكد أحمد هنا ولا لأ
غمغمت “تالين” وهي تبتعد عن أحضانها وتمسح دموعها بكفيها:
-وطلع جوا؟
هزت رأسها نافية وقالت بصوتٍ مُرهق:
-ظلمته..وظلمتك لما جبتك معايا، أهو فيه كلب حاول يتحغش (يتحرش) بيكي..وغحمة (رحمة) أمي لا اقتله
واستعدت للدخول ثانيةً متأهبة لقتل من تجرأ على لمس شقيقتها بينما ابتسمت تالين بضعف قائلة بوجه شاحب كالموتى وهي تمنعها من الدخول بيدها:
-ولا يهمك يا ناري …اللي حصل حصل..يلا نروح بس عشان انا تعبانة
تنهدت وهي تمرر يدها على خصلاتها هاتفة بمرح اصطنعته بإحتراف:
– والله أبدًا، مش هنمشي غيغ (غير) أما أشوف سهتنتك واتأكد إنك مش زعلانة مني..مع إني حاسة بالذنب
ضحكت تالين وهتفت بعدما انتهت:
-مش زعلانة والله، بس تعبانة أوي
زمت ناري شفتيها بحزن وكادت تتحدث ولكن قاطعها رنين هاتفها ففتحت الخط سريعًا لتجيب قائلة:
-ألو….
لأ يا ستي كنت ظلماه..مبيخونيش ولا حاجة…
صمتت قليلًا تستمع لها ولتوبيخها المعتاد؛ فنفخت خديها بضيق وهتفت:
-ما خلاص بقا يا قدغ هو كل مغة !!
***
فتحت باب الغرفة بحرصٍ، ودخلت تتجنب الأدوات والآلات العملاقة، حتى وجدته يتمرن بالداخل إذ يتسطح أرضًا مستندًا على كفيه صعودًا وهبوطًا بجسده، فابتسمت وهي تقترب على أطراف أناملها حتى جلست بغتةً فوق ظهره فأجفل، سرعان ما ابتسم وهو يتابع تمارينه فيعلو ويهبط بها فوق ظهره..
توقف وجذبها لتصبح أسفله فاعتلاها وهمس ببسمة مرتاحة:
-بقيتِ أحسن؟
عبثت بشعيرات ذقنه وهي تغمغم مع إيماءة رأسها، فابتسم وهو يميل فيلثم ثغرها بخفة هامسًا بعد تنهيدة:
-أنا آسف…آسف إني مكنتش جنبك! آسف إني..
بسطت كفها على فمه فتلمست بأناملها شفتيه وقالت ببسمة بشوشة:
-أنا بحبك يا شاهين…بحبك أوي.
لماذا فجأة؟ لا يهم..
فيُسره بجواره..
وليحترق العالم.
تعلقت بعنقه تحتضنه برفقٍ، فاحتضن خصرها بيدٍ والأخرى جوارها على الأرض تسند جسده، دفن رأسه في عنقها وتشمم رائحتها بهوسٍ فارتاح..
-وأنا بعشقك يا يُسر.
ابتعدت عنه وظلت ترمقه بحبٍ يفيض من عينيها هامسة وهي تجري بعينيها على تفاصيل ملامحه وكأنه تُرسخها في ذهنها:
-شهشوهتي!
ابتسم بمرحٍ:
-عم يُسري!
ضحكت وهي تحك أنفها بخاصته في دلالٍ، فمال يمسد على بطنها:
-جرح بطنك خف؟
غمغمت تبتسم بعبثٍ:
-لسه يا شاهين مكملناش شهر.
ابتسم بخبثٍ متنهدًا بحنين:
-مستنيهم يخلصوا على نار.
ضحكت بدلالٍ وهي تلكزه في كتفه:
-سافل.
حك أنفه بخاصتها في عبثٍ:
-معاكِ بس!
جذبته من رقبته إليها تتحدث بجدية شديدة:
-أنا عايزة غيرها!
-هي إيه!
سألها بغرابة فأجابت:
-عايزة في خلال أربع خمس شهور بطني تبقى قد كده.
ضحك بخبثٍ:
-عايزة مساعدة يعني؟
أومأت بشدة، فاقترب يهمس جوار أذنها:
-يا سلام، وأنا عندي أغلى من يُسر هانم !
عض شحمة أذنها بخفةٍ، فضحكت وأبعدت وجهه عنها ليواجهها مجددًا فقالت:
-وعايزانا ننقل من هنا، معدتش عايزة أعيش هنا يا شاهين.
مسح على خصلاتها وهو يعيد خصلة شردت الطريق لخلف أذنها:
-أنا بدأت في الشقة وهننقل فيها قريب.
ثم حك أنفه بخاصتها في عبثٍ:
-بس نسافر الأول نستجم كده، وبالمرة نشوف موضوع بطنك اللي عايزاها قد كده دي.
-إنت سوسة وإيه؟
ضحك بمرحٍ وهو يميل فيقبل عنقها:
-ومستغل.
ولثم الجانب الآخر:
-وبحبك.
وصعد بشفتيه لغمازتيها يلثمهما الواحدة تلو الأخرى برقةٍ:
-وبموت فيكِ.
ثم استقر عند شفتيها هامسًا أمامهما بحُرقةٍ:
-و…وإنتِ وحشتيني أوي يا يُسر!
يُسره التي استغرقت في حزنها مدة طويلة عادت لتبتسم فتحاوط وجنتيها وتشبك عينيها بزرقاوتيه:
-وأنا موجودة…جنبك..وهفضل معاك على طول…وكمان…كمان مش هزهق غير لما أجيب للدنيا بنت او ولد ياخدوا لون عينيك!
ابتسم..
وفي بسمته حياة استردها حين عادت لحياته حياته!
1
***
ارتمت قدر على الفراش جوار نارين التي تنظر لهاتفها بشرودٍ وعينين تحجرت بهما الدموع، فاعتدلت قدر تعبث معها بمرحٍ:
-مالك!
أدارت لها نارين الهاتف، لتجدها المحادثة بينها وبين أحمد، فقرأت قدر آخر رسالة والتي كانت:
نارين أنا آسف بس مش هقدر أكمل، كان أسبوع لطيف وإنتِ شخص كويس، بس أنا مش بتاع ارتباط وخطوبة وجواز، حاسس إنك هتلاقي الأحسن مني…أنا آسف.
نظرت قدر لنارين فوجدت عبراتها قد تحررت بالفعل، فألقت الهاتف وجذبت نارين إليها لترتمي الأخرى في أحضانها وتنحب بصوتٍ عالٍ في قهرٍ.
مسدت قدر على خصلاتها الناعمة برفقٍ وهي تقول بضحكة مُشفقة:
-غار في داهية، يا حمارة إنتِ أحلى منه، سابك عشان مقدرش يواكب جمالك، وبعدين ده عبيط ودمه تقيل..دمك أخف منه! وكان عليه واحدة نارين لا إله إلا الله كان بينطقها غلط أصلًا..
ضحكت نارين من بين دموعها، وسكنت بين أحضان قدر التي احتوتها هامسة:
-بكرا يجيلك اللي يقدرك ويحبك، ساعتها هتعرفي قيمتك كويس، هتعرفي قد إيه إنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة في الدنيا!
1
تنهدت نارين بتعبٍ، وأغمضت عينيها بين أحضان قدر وغفت في سكونٍ..
***
صباحًا تجمعت العائلة وتكدسوا في السيارات للرحيل، وسط بعضًا من التذمر والصياح غادروا المدينة عائدين إلى الإسكندرية..
وكان وصولهم في تمام الساعة الثامنة ليلًا..
-دخلوا الشنط يلا.
صرخ ساجد بتعبٍ:
-أنا جعااااان.
صاحت فيه آيات:
-بس يالا شيل وإنت ساكت.
لوى شفتيه بتبرمٍ، فبدأوا يُدخلون الحقائب عدا سارة التي عاونها يامن على الدخول..
انحنت تالا لتحمل الحقيبة الثقيلة، فتأوهت لعدم قدرتها على حمل ثُقلها، حتى وجدت ذراع قوية تمتد لتعاونها، نظرت لتجده فهد يقول:
-استني هساعدك.
منعته بتوترٍ:
-لأ شكرًا، أنا هشيلها متتعبش نفسك.
وبالفعل حملتها بيديها الإثنين بصعوبة وسارت بتعثر، فوقف فهد يتابعها وهي تتحرك حتى أوقفها فادي الذي حمل عنها الحقيبة وقال لها بعض العبارات فضحكت بمرحٍ وسارا سويًا للداخل.
وأثناء وقفته كالمنبوذ، اقتربت منه هاتفة بسخرية:
-منورنا ليه انهارده؟
زفر حانقًا، والتفت لها هاتفًا:
-ماما قالتلي إنكم رجعتوا، فقولت آجي أشوف أهلي.
ضحكت ساخرة:
-ضحكتني والله، إنت فاكرنا أهلك بجد! إنت خلاص معادش ليك مكان هنا، بقيت ولا حاجة!
أشارت حولها:
-بص حواليك، مين مستنيك؟ مين استقبلك؟ محدش..لأن محدش فينا عايزك!
1
وبالفعل، كان الجميع يعيش حياته بعيدًا عنه، كان أغلبهم حول فادي…توأمه!
-إنت حقيقي صعبان عليا، عملت عملتك وفاكرهم هيسامحوك ببساطة؟ متبقاش غبي…إنت ملاكش مكان هنا!
3
كلماتها المسمومة..
كانت كالقشة التي قسمت ظهره!
-مالوش لزوم الكلام ده! روحي لخطيبك…خليكِ جنبه وخليه جنبك، اشبعوا ببعض.
2
قالها ساخرًا، فاستهزأت به:
-لا متقوليش إنك غيران عليا! ولا…غيران منه؟؟
1
اشتعلت عينيه غضبًا..
وهي تبتسم بخبثٍ، تلعبها بقذارة!
3
لم تكتفي بذلك القدْر، بل تابعت حديثها بإحتقارٍ:
-فادي أحسن منك مليون مرة، على الأقل مكانش هيسيبني ويسافر، وعلى الأقل هو عمره ما قتل حد.
1
رمقته شزرًا وغادرت للداخل، فوقف بكتفتين متهدلين بقنوطٍ، وشرد في الفراغ الذي انفصل عنه حين أتته أمه فرِحَة تحثه على الدخول، ففعل بشرودٍ..
دخل ووقف أمام الباب يرمقهما بخواءٍ، حيث يحتضن كفها ويضحك لها فتضحك له!
حينها وسوس له الشيطان بشيءٍ ما..
وما أشد عداوة الشيطان لإنسانٍ ضعيف الإيمان!
دخل مندفعًا للمنزل وسط ضجة لا ينتمي إليها، نظر بعينيه لهم جميعًا، سُعداء بدونه..
اقترب منه أخوه، وقف أمامه مواجهًا، بوجهٍ متجهم وكأنه مُجبرًا على وقوفه هكذا:
-اسمع، أنا مش عايزنا نبقى كده، مش عشانك، عشان خاطر ماما صحتها متستحملش…
واقترب منه أكثر حتى تواجها فقال فادي من بين أسنانه بهسيسٍ:
– بس قدر خط أحمر، اوعى تفكر تبعدني عنها أو تبعدها عني لأني ساعتها هنسى إن بينا صلة دم!
2
اعتلى ثغره بسمة مُستهزأة..
فيبدو أن توأمه غارقًا في غيمة سوداء!
1
-قدر بتاعتك ده سلسال دم، اللي يعاشرها أخرته موت يا اللي بينا صلة دم!
جذبه فادي من تلابيبه بغضبٍ صارخًا:
-متجيبش اسمها على لسانك!
1
التفت الجميع لهم فيما اقترب يامن يبعدهم عن بعضهم ناهرًا:
-بس بس فيه إيه! إنتو كل ما هتشوفوا بعض هتمسكوا في بعض!
نظر فادي نظرة خاطفة لأمه التي ارتبكت معالمها وشحب وجهها، فهدأ لكي لا تنهار مجددًا، وهمس لأخيه بعدوانية:
-كل اللي إحنا فيه ده ذنبك، كله غلطك إنت فمتحاولش ترمي اللوم على حد تاني!
-ده ذنبي؟ ذنبي إني حاولت أحميكم!!!
صاح فادي:
-إنت عمرك ما حاولت تحمينا إنت دايمًا كنت بتخربها علينا! إنت الشيطان اللي للأسف أبويا وأمي خلفوه في نفس يومي ومضطر أعتبره أخويا!
1
وقف فهد مذهولًا أمام ذلك الشر المنبثق من عيني توأمه! فيما اقترب رعد صارخًا:
-بس إنت وهو! احترموا الكبار اللي واقفين!
أشار فهد على أخيه:
-هو اللي بادئ! جاي يدافع عن ست الحُسن!
جذبه فادي من تلابيبه فمنعه يامن بأن احتضن جسده مُبعدًا إياه عن أخيه:
-احترم نفسك ومتغلطش!
ابتسم ساخرًا وهو يُشير بعينيه عليها تلك التي تقف تتابع ما يحدث بحاجبين معقودين بانزعاجٍ وتعقد ذراعيها أمامها في تجهمٍ:
-أنا مغلطش إنت اللي أهطل ودلدول الهانم!
وهنا…انفعل رعد بشدة، وأمام نظرة عيني فهد الغاضبة المُسددة تجاه أخيه لطمه أبوه لطمة قوية، تردد صداها في أرجاء المنزل بقسوة، فشهقت الأم بلوعةٍ، والتفت فهد بأعين حمراء ينظر لأبيه بحقدٍ دفين، ذلك الذي أشهر سبابته محذرًا:
-اوعى تفكر تعلي صوتك تاني في بيتي! أو تكلم أخوك بالشكل ده قدامي!
6
واقترب الأخ حانقًا:
-اطلع برا يا فهد…
التفت ينظر له بخواءٍ:
-برا؟؟؟ ما أنا طول عمري برا!
ثم عاد ينظر لأبيه بخذلانٍ:
-ياما اتطردت من البيت ده وإيه الجديد؟؟
نكس رأسه ضاحكًا بهستيرية كالمجنون وهو يهمس:
-بس تعرف…المرادي مش هخرج من هنا ببساطة، لازم أقفلها قفلة تليق بـ شري اللي إنتو خايفين منه!
1
تراجع عدة خطواتٍ للخلف والتقط مسدسه من حزامه الخلفي بسرعة البرق، صوبه في وجه أبيه أولًا، فاتسعت عيني شهد صارخة:
-فهد!!!
وعيني أبيه جامدة تناظره بتحدٍّ بالغ، فاعتلى ثغر الإبن بسمة ساخرة، ثم حرك فوهة المسدس ببطءٍ ناحية هدفٍ آخر..
رأس توأمه!
1
أن يرفع المسدس في وجه أخيه؟
أن يزأر بصوته ولأول مرة أمامهم!
أن ينفجر فيهم؟!
تلك هي أقصى مراحل التحمل..
فليبدأ الإنفجار..
صرخ بما يعتمل صدره من ظُلمٍ صُوب نحوه سنواتٍ:
-مش أنا الشيطان اللي أبوك وأمك خلفوه؟؟ مش إنتو اتهمتوني إني قتلت زور؟؟؟ أنا بقى هخليه بجد.
وضغط على الزناد..
وأطلق الرصاصة..
فاستقرت في صدر توأمه الذي اتسعت حدقتيه بصدمةٍ وهو ينقل بصره بين تلك الحفرة في صدره ونظرة أخيه الحاقدة..
وفي تلك اللحظة الفاصلة، استعاد كليهما وعيه..
وسألوا بعضهم البعض سؤالًا مُحيرًا؛
منذ متى وكان بينهما ذلك الغل؟
منذ متى وهما عدوان بدلًا من توأمان؟!
5
همسة خرجت منه مع بسمة مريرة وعبرة انسابت خلسة:
-ليه؟!
1
صرخت الأم بقلبٍ ملتاع..
وأمام ناظريها سقط الإبن مضرجًا في دماءه..
والآخر يُخفض المسدس وينظر لجسد أخيه المسجى أرضًا بذهولٍ لما جنت يداه!
لقد خُضبت يداه بالدماء..وليست أي دماء..
ففي تلك اللحظة…قتل قابيل أخاه.


