رواية انقضاض الاسود الفصل السابع 7 بقلم ندي محمود

رواية انقضاض الاسود الفصل السابع 7 بقلم ندي محمود
( انقضاض الاسود )
_ الفصل السابع _
ظل يحدق به للحظات وجيزة وقسمات الدهشة والذهول بادية على محياه ثم غمغم جاداً :
_ انت متأكد من الكلام ده
اجابه الظابط بجدية مماثلة له :
_ طبعا متأكد يامصعب
حك مؤخرة ذقنه وهو يجاهد فى كظم غيظه ثم تابع بخشوع متصنع :
_ طيب والمصنع
_ المصنع قريب جدا هنعرف مين اللى عمل كده ، انا يعتبر قدرت اوصل لطرف الخيط وقريبا هاكون عرفت مين اللى عمل كده
اؤما رأسه له بوجه متهجم فهتف الظابط قائلا :
_ هااا حابب تتنازل عن القضية ولا نحب نمشى فى الاجراءت اللازمة
صمت قليلا وهو يحدج به بعينان ثاقبتين النظر ثم هتف بثبات :
_ هاتنازل !
_ تمام
ثم هب مصعب واقفا فى شموخ ومد يده ليصافحه فتمتم الظابط :
_ شرفتنا يامصعب
ابتسم له ابتسامة لم تصل الى عينه ثم انصرف مغادراً قسم الشرطة بأكمله … صعد بسيارته ، ولهيب الشر يزداد اشتعالا داخله ، اعصابه الملتهبة تتوعد للجميع بعقاب عسير .. جعل يترنح من شدة الانفعال وهو يتمتم بنبرة تحمل فى طيأتها الوعيد :
_ صبركم عليا .. خلى حساب بهيرة بعدين .. نبدأ برشوان الاول
ثم ارجع رأسه للوراء وهو يفكر بشئ ما ، فارتسمت على ثغره ابتسامة شيطانية وتمتم :
_ انا كنت بفكر فى الموضوع ده من زمان واهى جاتلى الفرصة لحد عندى …… ثم اعتدل فى جلسته وانطلق بالسيارة كالسهم متجها الى منزل رشوان الالفى
***
وجدت هاتفها يصدر رنينه المرتفع هرولت اليه واجابت بتلهف :
_ الو يافهد
فهد بصوت مرهق :
_ ايوه يارؤية
رؤية بعتاب :
_ كده برضوا متتصلش بيا وبرن عليا مبتردش
فهد بصوت ضعيف :
_ الموبايل فصل شحن انتى عاملة ايه
رؤية فى حرارة :
_ انا كويسة الحمدلله .. بابا عامل ايه
تنهد بقوة واصدر زفيراً حاراً ثم تمتم بصوت شبه حزين :
_ بابا اتوفى يارؤية .. بمجرد ماوصلت واتكلمت معاه وطلعت من عنده بعدها بخمس دقايق بظبط كان اتوفى
وضعت كف يدها على فمها بصدمة ، احست وكأن كلماته حنجر اصابها به فى صدرها ، و شعرت بضيق نفسها ، جعلت تلهث انفاسها المتسارعة وهى تبكى بصمت … تمتم فهد فى قلق بالغ :
_ رؤية انتى كويسة ردى عليا ، رؤية
اجابته بصوت باكى :
_ نعم
تمتم فى حنو :
_ انا مكنتش عايز اقولك والله فى التلفون بس مينفعش مقولكيش ، انا بأذن الله بعد بكرة هرجع
اجابته بنبرة باكية :
_ ترجع بالسلامة ان شاء الله
الغى الاتصال معها وقلبه يؤلمه على شقيقته .. بينما هى اخذت دموعها تنساب على وجنتيها بغزارة وقلبها يعتصر من الالم ، اخذت تردد بعض أيات القرأن لتهدأ من حزنها والمها .. فانتفضت واقفة عندما سمعت ذلك القرع الشديد والمخيف على الباب كأنه وحش هائج … كانت تنتظر ان تذهب الخادمة ( سماح ) لتفتح الباب ولكن تذكرت انه اليوم عطلتها ، جعلت تتساءل من الطارق ومن سوف يأتى لهم .. جففت دموعها وهى تردد بصوت خافت ومرتعد :
بسم الله الرحمن الرحيم ، فى ايه !
هندمت ملابسها جيداً وارتدت حجابها جيداً ثم اتجهت نحو الباب وامسكت بمقبض الباب بيد مرتعشة على أثر خضتها ثم جذبت الباب للخلف فصدمت عندما رأته يقف امامها بهيئته الصلبة وكأنه اسد هائج ينتظر ان ينقض على فريسته لكى ينال منها .. ووجدته يهتف بنظرة نارية تكاد تخترقها :
_ ابوكى فين ؟!
جاهدت فى اظهار ثباتها امامه وهتفت بثبات شديد :
_ بتسأل ليه !؟
صاح به بصوت جهورى :
_ ماتخلصى قولى فينه !
تمتمت ببرود وصوت متهدج :
_ اتوفى امبارح بليل
همهم بدهشة :
_ ايه ازاى !
اجابته بجفاء متجاهلة سؤاله :
_ انت ايه اللى جايبك اتفضل مع السلامة .. ده غير ان فهد مش قاعد ووقفتك دى متنفعش
ابتسم بمكر ودفعها برفق عن الطريق ودلف الى الداخل ببرود وهو يدور بنظره فى المنزل بأكمله وهو يقول :
_ وفيها ايه فهد مش قاعد هو انتى مش واثقة فيا ولا ايه
تمتمت مشمئزة :
_ طبيعى موثقش فى واحد زيك حقير وحيوان
اشتعلت عيناه بحمرة الغضب وقبض على ذراعها بيده الفولاذية التى كادت ان تعصر ذراعها من شدتها فتأؤهت هى بصوت مكتوم وتمتم هو محذراً بنظرات مخيفة لكن لم تؤثر عليها مطلقاً :
_ الزمى حدودك معايا يابنت رشوان متخلنيش استخدم معاكى اسلوب يزعلك منى .. واظن انتى عرفانى كويس
تلوت بين يديه كى تستطيع افلات ذراعها من قبضته فالم تستطيع فرمقته بنظرة مشتعلة ثم رفعت كفها بالهواء وصفعته على وجنته بقوة وهى تهتف بحزم :
_ ده علشان تفكر مرة تانى تلمسنى
حدجها بنظرة ملتهبة ثم جذبها من ذراعها بعنف حتى التصقت بصدره وهو يتمتم بخفوت مرعب :
_ مبقيش الا انتى يابنت رشوان اللى ترفع ايدها عليا .. ورحمة ابويا لادفعك تمن اللى عملتيه ده غالى اوى
هتفت بنبرة محتقنة وصوت خائف :
_ ابعد عنى يامصعب احسلك
قهقه مرتفعا وهو يهتف بغطرسة :
_ هتعملى ايه يعنى ، قولى هتعملى ايه يلا
بدأت عيناها تزرف العبارات الحارقة فحدجها هو بنظرة قاسية ولم تهتز شعرة واحدة منه وهو يهتف بصوت اجشِّ ومخيف :
_ دلوقتى اسمعى اللى جاى اقوله وقبل ماتردى تفكرى كويس اوى
كان جسدها يرتجف بشدة وتحاول ان تتماسك امامه وان تتملص من قبضته لكنه كان محكم قبضته جيداً .. صاحت به بنبرة خائفة تحمل التحذير :
_ بقولك ابعد ايدك الوسخة دى عنى والا والله العظيم اصوت وافضحك
مصعب بنبرة مخيفة متجاهلاً تهديدها :
_ اسمعى قدامك حلين ياتقبلى تتجوزينى يأما انا مستعد اقول كل حاجة اللى عملها اخوكى معايا وكمان البسه قضية من عندى ياخد فيهم الاتنين مش أقل من تأبيدة
هتفت بصياح هادر وانفعال :
_ انت ايه ياخى مبتخفش من ربنا اتقى الله ، انا مستحيل اصلا اقبل بواحد زيك ، ومش هتقدر تثبت حاجة على فهد لانه اصلا برئ ومعملش حاجة
مصعب ببرود مستفز وجفاء :
_ انا قولت اللى عند براحتك بقى لو مستغنية عن اخوكى ابقى ارفضى عرضى
ثم استدار وانصرف .. هرولت هى راكدة الى الباب واغلقته جيداً وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها تتسارع كأنها فى سباق للعدو ، وجسدها يرتجف وينتفض بشدة .. ثم جثت على الارضية واضعة رأسها بين راحتى يدها وهى تجهش باكية بقوة وحرارة ، تلك المصائب المتتابعة تفوق قوة تحملها … ماذا تفعل اتوافق وتقبل ان تعيش مع عديم الرحمة هذا ام تدع اخيها يقضى بقية حياته فى السجن ……..
***
احد الاشخاص :
_ هااا لقيتى حاجة
هند :
_ لا انا قلبت المكتب كله ملقيتش الملفات دى شكله خباها لما شك فيا
اجابها بنبرة تحمل فى طيأتها التحذير :
_ دى مش مشكلتى ياسهير الورق ده تقبى وتغطسى وتجبهولى انا مش جايبك البيت عنده علشان تنامى وتاكلى وتشربى
هند بازدراء :
_ طيب طيب سلام لاحسن ياجى ويشوفنى تانى وانا فى المكتب
_ سلام
***
أغار ( هجم ) عليها وهو يزأر من بين اسنانه ويصيح بها بصياح مخيف :
_ انتى مجنونة عايزة تجيلى المستشفى عند ماما
اجابته بتوجس وضيق واضح :
_ فيها ايه يعنى يامؤيد
جذبها من ذراعها اليه وهو يقول فى صيحة عنيفة :
_ اسمعى يابت انتى اقسم بالله لو امى عرفت بأى حاجة بينا لتكون نهايتك على ايدى انا ماصدقت بدأت تتحسن شوية حالتها
صاحت به هى الاخرى فى غيظ :
_ وانت نسيت انك وعدتنى انك هتتجوزنى ، فيها ايه بقى لما اروحلها معاك وتقولها على كل حاجة
اطال النظر اليها بصمت مرير ثم دفعها برفق تاركا ذراعها وهو يتمتم ببرود :
_ انا مش فاكر انى قولت حاجة زى كده وحتى لو قولت فأنا خلاص غيرت رأى
فتحت واغلقت بؤرة عينها بدهشة اكثر من مرة ، كى تستوعب ماتسمعه اذنيها ثم همهمت بترقب وصوت هادئ :
_ يعنى ايه مش فاهمة !!
ابتسم لها بغطرسة وهو يتمتم بنفس نبرته :
_ ايه هو انا بتكلم هيروغليفى ولا ايه … زى ماسمعتى ياقلبى غيرت رأى خلاص
تابعت بنبرتها الهادئة بعدم استيعاب :
_ انت اكيد بتهزر يامؤيد
تلاشت ابتسامته ثم نفخ بصوت مسموع وتحرك تجاه الاريكة الجليدية التى تتوسط فى نصف ” الصالون ” وجلس عليها بارتياحية وهو يردف باستنكار :
_ ايه هو انا باين عليا اوى انى بهزر ولا ايه ، على العموم لا مش بهزر ياحبيبتى ويلا بقى من غير مطرود علشان عايز اغير وانام
ثم وثب واقفاً من على الاريكة وهو يهمس بالقرب منها بنظرات تبجح ونبرة فظة :
_ لو انتى عايزة تقعدى معنديش مشكلة خالص
رمقته بنظرات ساخطة تحمل الاحتقار والاشمئزاز ثم هتفت متوعدة :
_ ماشى يامؤيد … ماشى
ثم استدارت وغادرت المنزل مسرعة .. بينما هو تنفس الصعداء ثم مسح على وجهه وشعره وهو يتأفف بقوة ويلهث مما فى صدره من الغيظ ، ثم جلس على الاريكة واضعاً رأسه بين راحتى يديه ، سابحاً بين شجونه الثائرة
***
هتفت صفا بغضب شديد :
_ عرف ايه مصعب ؟؟
اجابها شخص ما بهدؤء :
_ عرف ان اللى كان ورا قتل فؤاد بيه ، رشوان بيه وبهيرة هانم
حملقت به بذهول تام للحظات وجيزة ثم صاحت به بضجر واضح :
_ وازاى عرف مين اللى قاله
_ اللى اعرفه انه القسم اللى عرف وهو خبره … لا وكمان سمعت ان رشوان بيه اتوفى امبارح بليل
اتسعت بؤرتى عينها بصدمة وفغرت شفتيها وهى تمتم :
_ ايييه … يعنى لو عمى مات فعلا ماما اللى هتشيل الليلة ومستحيل مصعب يسامحها .. انت لازم تعمل اى حاجة
_ اعمل ايه طيب ياست هانم انا تحت امرك اللى هتقولى عليه هعمله
اجابته بنظرات زائغة ونبرة قلقة :
_ اعمل اى حاجة اتصرف
اجابها بإيجاب :
_حاضر
تنهدت بقوة ثم استدارت وغادرت مسرعة وهى تقبض على يد طفلها ويمشى بجانبها ، ثم اوقفت سيارة اجرة وصعدت بها … كان ابنها يتحدث اليها وهى لاتصغى اليه مطلقاً ، كانت شاردة الذهن فيما قاله ذلك الرجل ، تفكر فيما سوف يفعله مصعب وماذا ان علم بفعلتها ايضاً ، كيف ستتلقى عقابها منه …. ترجلت من السيارة هى وطفلها بعد مرور دقائق ليس بقليلة ، ثم صعدت الدرج المؤدى الى شقتها وقامت بفتح الباب فوجدت طارق يجلس على الاريكة بهدؤء تام ، وتلك النظرات التى بعينه لاتبشر بخير مطلقاً ………
***
كان يقف فوق تل عالى يستطيع من خلاله رؤية بعض المناطق العشوائية واجزاء من المدينة ، كان يحمله النسيم متدفقاً متموجاً ، منظر ثابت بيعث فى نفسه الطمأنينة والراحة ، كان وجهه عابث ، يتذكر طفولته التى كانت بمثابة اكبر كذبة له ، اذاق جميع انواع الاهانة والذل ، التى تركت به أثر حتى الان ، كان يتذكر حديث ابيه له عندما كان فى الثامنة عشر من عمره وهو يقول له ” متخليش حد يكسرك يابنى ولا يمسكك من ايدك اللى بتوجعك خليك عارف نقطة ضعف كل واحد علشان وقت مايحب يلعب بديله معاك تمسكه انت من ايده اللى بتوجعه ، متديش لحد فرصة انه يهينك او يذلك او يفرض نفسه عليك ، خليك أسد فى حكمك وسيطرتك وحكيم فى قرارتك علشان محدش يقدر يكسرك
افاق من بحر شروده وهو يتنهد بقوة ، ثم اتجه نحو سيارته واستقل بها وانطلق تجاه منزل بهيرة ………….
***
توقفت سيارته امام بوابة الڤيلا وبمجرد مارأه حارث البوابة قام بفتحها له .. ثم باشر سيره بالسيارة الى داخل الڤيلا حتى عبر البوابة ثم قام بوقف السيارة وترجل منها ….. اتجه الى باب الڤيلا وطرق الباب عدة طرقات متتالية ففتحت له بهيرة الباب ، بمجرد رؤيتها اياه ، انفتحت مقلتى عينها بصدمة ممزوج ببعض التوتر من نظراته الكميتة البادية على محياه … فدفعها برفق عن طريقه ودلف الى الداخل بهدؤء تام وهى تتابعه بأعين متعجبة من ذلك الهدؤء وايضا من مجيئه هذا المفاجئ .. ظلت تحدق به باستغراب بالغ وبعد دقائق من الصمت التام نطق وهو يهتف بهدؤءه المعتاد :
_ هو ليث مش قاعد ولا ايه
اجابته بنظرات دقيقة :
_ لا مش قاعد .. هو فى ايه يابنى مالك
رمقها بنظرات ساخرة وهو يهتف باستهزاء :
_ ابنك !! … شكلك عشتى الدور اوى يابهيرة
تشدقت هى بثبات ونبرة شبه ضجرة وهى تتصنع البراءة :
_ ايوه ابنى يامصعب انت ناسى انى انا اللى ربيتك
التوى فمه بابتسامة هازئة وهو يشيح بوجهه عنها :
_ ونعم التربية
ثم استدار بجسده ناحيتها مجددا واقترب منها وهو يحدجها بنظرات تحمل فى طيأتها الكره والغل :
_ فاكرة لما جيتى فى عزا بابا وانا كنت وقتها عرفت كل حاجة عملتيها سعتها انا مستغربتش انك تعملى كده زى دلوقتى بظبط انا مش مستغرب انك تعملى كده لان اللى قتل مرة ممكن يقتل مرتين وتلاتة واربعة كمان
ازدردت ريقها بتوتر من تلميحاته ثم تمتمت بصوت مضطرب :
_ مش فاهمة قصدك ايه يعنى !؟
ابتعد عنها وهو يسير تجاه النافذة ويقف امامها بهيأته القوية وهو يهتف بصوت اجشِّ :
_ انتى فاهمة قصدى كويسة اوى متعمليش نفسك عبيطة .. كل مرة بكتشف حاجة جديدة من عمايلك الوسخة واخر المتمة قتل فؤاد الالفى اللى هو ابو عيالك واشتركتى فيه انتى ومين ..اخوه !
صفق بيده بقوة وهو يهتف بنبرة محتقنة :
_ لا بجد برافوا عليكم ظبطوها صح .. الاخ يقتل اخوه علشان ايه علشان الفلوس مش كده مش هو ده هدفك من زمان تكوشى على كل حاجة .. احب اقولك انك مليم واحد مش هتطوليه طول مأنا عايش على وش الدنيا يابهيرة و احمدى ربك انى سايبك تعيشى فى ڤيلا زى كده وتاكلى وتشربى وعلى حساب مين على حساب الراجل اللى قتليه
كانت نبضات قلبها تتسارع بشدة وشعرت وان قدماها ترتجف فصاحت به بخوف بالغ محاولة اخفائه :
_ ايه الكلام الفارغ ده انا مستحيل اعمل كده
استدار لها وهو يصيح بصوت جهورى :
_ انتى فكرانى مغفل ولا نايم على ودانى مش هعرف كل اللى بتعمليه انا عارف كل حاجة بس انا اللى مطنش وسايبك بمزاجى
بهيرة بصياح ممزوج ببعض الخوف :
_ انت مين اللى لعب فى عقلك وقالك الكلام ده
تقدم نحوها وهو يتمتم بخفوت :
_ كان نفسى ان يبقى فى قلبى ليكى ذرة احترام وحدة ولكن انتى اللى بتجبرينى على المعاملة دى
ثم رفع اصبع السبابة فى وجهها وهو يهتف بتحذير ونبرة تحمل التهديد :
_ اسمعى انا المرة اللى فاتت اتنازلت عن القضية مع ان واحد غيرى كان رماكى فى السجن وخد حقه بس انا عملت حساب لاخواتى وللمرة التانية بعمل حساب ليهم وبتنازل عن القضية بس انصحك متختبريش صبرى احسلك وافتكرى انك كده ضيعتى فرصتين المرة الجاية هتكونى فى السجن وسعتها انا مش هعمل حساب لاى حد لان عمايلك كترت اوى وانا قرب صبرى ينفذ ومش معنى انى تنازلت عن القضيتين يبقى الموضوع انتهى خلاص ، لا طبعا انا هاخد حقى بس بطريقة مختلفة … توجع اكتر اصل انا بحب اشوف عدوى بيتعذب قدام عينى بالبطيئ علشان احس بحلاوة الانتصار اكتر
ثم استدار وغادر المنزل .. بينما هى كان قلبها يطرق كالمطرقة وعقلها يطرح سؤال واحد ” ياترى ماذا سيفعل “
***
تصلبت مكانها عندما رأته هكذا بينما مالك هرول راكداً نحو ابيه ووجهه تعلوه ابتسامة مشرقة ، فحمله طارق على ذراعيه وقبله من وجنته ثم انزله على الارض وانحنى اليه واخرج علبه من كيس بلاستيك ليس بكبير كانت تحتوى العلبة على سيارة اطفال ، فجذبها الصغير من يدها بسرعة وهو يضحك بسعادة بالغة ويهتف :
_ الله .. جميلة يابابا
قبل رأسه وهو يتمتم بصوت حانى وكان من كل حين وحين يخطف نظرات حادة الى صفا :
_ يلا بقى ياحبيبى روح العب بيها جوه علشان عايز اتكلم مع ماما
استدار الصغير وانصرف وعينه معلقة على السيارة الصغيرة … بينما طارق تقدم تجاه صفا بخطواط واثبة ، التى كانت تحاول بقدر الامكان ان تشيح نظرها عنه من فرط توترها .. فهتف هو بخشوع تام ونظرات مرعبة :
_ كنتى فين ؟
ابتلعت غصة فى حلقها وتمتمت بصوت ضعيف :
_ كنت عند وحدة صحبتى ياطارق !
طارق بنظرات دقيقة :
_ ومن امتى بتطلعى من غير أذنى
غمغمت بتلعثم واضح :
_ أااصل … أصل انا كنت هروح اخد منها حاجة بسرعة واجى انا قولتلها تجبهالى ومكنتش هطول
_ وفينها الحاجة دى بقى !
حملقت به بذهول وكأن دلو من الماء البارد سكب عليها وهتفت مسرعة مخترعة كذبة اخرى :
_ لا مأصل هى ملقتش اللى انا عايزاه فى المحل
حك مؤخرة رأسه بنظرات شرسة :
_ اممممممم … طيب روحى ياصفا على الاوضة وانا جاى وراكى
اؤمات رأسها له ثم اسرعت الى الغرفة وهى تحمد ربها انا استطاعت الهرب منه .. بينما هو اتجه الى غرفة ابنه ، وجده يلهو بألعابه .. انحنى اليه وهو يهتف بخفوت :
_ مالك ياحبيبى هى ماما كانت فين
نظر له الطفل بصمت وتذكر امه عندما كانت تحذره وتقول له ” لو بابا سألك احنا كنا فين اياك تقوله فاهم “
فتحدث الطفل بعفوية وخوف بسيط :
_ اصل ماما قالتلى مقولكش
ادرك طارق انها لم تكن مع صديقتها كما تقول فتمتم بنبرة غليظة :
_ متخفش ياحبيبى مش هتعملك حاجة قول
صمت مالك للحظات صغيرة وهو يفكر يقول ام لا ثم حسم امره وتحدث قائلا بصوت خفيض خوفاً من ان تسمعه امه :
_ ماما كانت واقفة مع واحد كبير كده وطويل وكانوا بيتكلموا على خالو مصعب وتيتة
اؤما رأسه له بتفهم ثم هب واقفاً وعينه تطرأ شرارة الوعيد لها ثم هتف محدثاً ابنه بصوت صارم :
_ خليك هنا مكانك فاهم
اؤما رأسه له الطفل بخوف بسيط ثم اسرع هو تجاه غرفتهم كالثور الهائج ، وجدها تقوم بتبديل ملابسها فأنتفض جسدها بشدة عندما رأته.. ثم أغلق هو الباب بعنف واتجه نحوها ثم جذبها من خصلات شعرها بقسوة فأصدرت هى صرخة مرتفعة نسبياً وصاح به بسخط شديد :
_ هو انتى فكرانى ايه ياصفا واحد عبيط واهبل هتضحكى عليه بسهولة ومش هعرف روحتى فين وجيتى منين
سالت عباراتها على وجنتيها وهى تهتف ببكاء :
_ والله ياطارق انا….
صاح بها بصياح هادر :
_ انتى عايزة اللى يربيكى من اول وجديد … مين اللى كنت معاه ده .. انطقى
صفا ببكاء حار :
_ ده واحد بخليه يجبلى كل الاخبار
استمر فى صياحه وهو يقول :
_ وياترى بتخططى لأيه كمان لاخوكى المرادى لتكونى عايزة تقتليه اصل انتى وامك صنف واحد
اغلقت عينها وعباراتها لم تتوقف عن السقوط .. اقترب من اذنها وهمس بهدؤء قاسى ونبرة جافة :
_ خليكى عارفة انك لو فضلتى كده هتخسرى كل الناس واولهم انا حتى ابنك هتخسريه
ثم دفعها بقوة فسقطت على الارض وهى تبكى بحرقة شديدة ، ثم انصرف وغادر المنزل بأكمله … كان مالك يسمع شجار ابيه وامه ويبكى بصمت ………..
***
فى المساء ……
انهت صلاتها ثم جلست على فراشها وامسكت بكتاب القرأن الكريم واخذت تقرأ أيات الله بخشوع وبصوتها العذب ، فبدأت عينها تذرف الدموع عندما تذكرت ماحدث معها بالصباح .. كانت تقرأ أيات الله وعباراتها تتسابق على السقوط من مقلتيها ، اجهشت فى البكاء اكثر عنما قرأت الأية ” وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ” اخذت تشهق باكية بقوة بصوت مرتفع ، ثم نزعت نظراتها الطبية عن عينها ووضعت وجها بين راحتى يديها وهى تبكى بشدة .. تشعر وكأن ثقلاً يهبط على صدرها يجعل انفاسها تختنق ، تحاول ان تتماسك ولكن تلك العواصف المتلاحقة تفوق قوة تحملها ، دفعت بها الى. مكان مظلم ومسدود ليس به مخرج او مفر ، اما ان تضحى بحياتها مقابل اخيها اما ان تضحى بأخيها مقابل حياتها ، هناك أناس تستحق الطوفان ليحل محلها عالم جديد نظيف ولكن ماذا عسى الانسان ان يفعل ، ان الله هو القادر على هداية عباده .. ان الله يهدى من يشاء ويضل من يشاء بغير حساب …….
نهضت من فراشها وجففت عباراتها ثم امسكت بنظراتها وارتدتها ، واتجهت نحو شرفة الغرفة ، واستندت بمرفقيها على سور الشرفة وهى تحملق فى الظلام الدامس ونسيم الهواء البارد يلفح وجهها الرقيق ، وضوء القمر ينشر ضيائه فى كل مكان فينعكس ضوئه على عيناها السوادتين وبشرتها التى تميل الى البياض وشعرها الحريرى يتطاير من اسفل حجابها بسبب نسمات الهواء الباردة … فتنفست هى الصعداء بقوة وقد حسمت امرها على مواجهة ذلك الأسد المفترس !
_ يتبع ……….
_ الفصل السابع _
ظل يحدق به للحظات وجيزة وقسمات الدهشة والذهول بادية على محياه ثم غمغم جاداً :
_ انت متأكد من الكلام ده
اجابه الظابط بجدية مماثلة له :
_ طبعا متأكد يامصعب
حك مؤخرة ذقنه وهو يجاهد فى كظم غيظه ثم تابع بخشوع متصنع :
_ طيب والمصنع
_ المصنع قريب جدا هنعرف مين اللى عمل كده ، انا يعتبر قدرت اوصل لطرف الخيط وقريبا هاكون عرفت مين اللى عمل كده
اؤما رأسه له بوجه متهجم فهتف الظابط قائلا :
_ هااا حابب تتنازل عن القضية ولا نحب نمشى فى الاجراءت اللازمة
صمت قليلا وهو يحدج به بعينان ثاقبتين النظر ثم هتف بثبات :
_ هاتنازل !
_ تمام
ثم هب مصعب واقفا فى شموخ ومد يده ليصافحه فتمتم الظابط :
_ شرفتنا يامصعب
ابتسم له ابتسامة لم تصل الى عينه ثم انصرف مغادراً قسم الشرطة بأكمله … صعد بسيارته ، ولهيب الشر يزداد اشتعالا داخله ، اعصابه الملتهبة تتوعد للجميع بعقاب عسير .. جعل يترنح من شدة الانفعال وهو يتمتم بنبرة تحمل فى طيأتها الوعيد :
_ صبركم عليا .. خلى حساب بهيرة بعدين .. نبدأ برشوان الاول
ثم ارجع رأسه للوراء وهو يفكر بشئ ما ، فارتسمت على ثغره ابتسامة شيطانية وتمتم :
_ انا كنت بفكر فى الموضوع ده من زمان واهى جاتلى الفرصة لحد عندى …… ثم اعتدل فى جلسته وانطلق بالسيارة كالسهم متجها الى منزل رشوان الالفى
***
وجدت هاتفها يصدر رنينه المرتفع هرولت اليه واجابت بتلهف :
_ الو يافهد
فهد بصوت مرهق :
_ ايوه يارؤية
رؤية بعتاب :
_ كده برضوا متتصلش بيا وبرن عليا مبتردش
فهد بصوت ضعيف :
_ الموبايل فصل شحن انتى عاملة ايه
رؤية فى حرارة :
_ انا كويسة الحمدلله .. بابا عامل ايه
تنهد بقوة واصدر زفيراً حاراً ثم تمتم بصوت شبه حزين :
_ بابا اتوفى يارؤية .. بمجرد ماوصلت واتكلمت معاه وطلعت من عنده بعدها بخمس دقايق بظبط كان اتوفى
وضعت كف يدها على فمها بصدمة ، احست وكأن كلماته حنجر اصابها به فى صدرها ، و شعرت بضيق نفسها ، جعلت تلهث انفاسها المتسارعة وهى تبكى بصمت … تمتم فهد فى قلق بالغ :
_ رؤية انتى كويسة ردى عليا ، رؤية
اجابته بصوت باكى :
_ نعم
تمتم فى حنو :
_ انا مكنتش عايز اقولك والله فى التلفون بس مينفعش مقولكيش ، انا بأذن الله بعد بكرة هرجع
اجابته بنبرة باكية :
_ ترجع بالسلامة ان شاء الله
الغى الاتصال معها وقلبه يؤلمه على شقيقته .. بينما هى اخذت دموعها تنساب على وجنتيها بغزارة وقلبها يعتصر من الالم ، اخذت تردد بعض أيات القرأن لتهدأ من حزنها والمها .. فانتفضت واقفة عندما سمعت ذلك القرع الشديد والمخيف على الباب كأنه وحش هائج … كانت تنتظر ان تذهب الخادمة ( سماح ) لتفتح الباب ولكن تذكرت انه اليوم عطلتها ، جعلت تتساءل من الطارق ومن سوف يأتى لهم .. جففت دموعها وهى تردد بصوت خافت ومرتعد :
بسم الله الرحمن الرحيم ، فى ايه !
هندمت ملابسها جيداً وارتدت حجابها جيداً ثم اتجهت نحو الباب وامسكت بمقبض الباب بيد مرتعشة على أثر خضتها ثم جذبت الباب للخلف فصدمت عندما رأته يقف امامها بهيئته الصلبة وكأنه اسد هائج ينتظر ان ينقض على فريسته لكى ينال منها .. ووجدته يهتف بنظرة نارية تكاد تخترقها :
_ ابوكى فين ؟!
جاهدت فى اظهار ثباتها امامه وهتفت بثبات شديد :
_ بتسأل ليه !؟
صاح به بصوت جهورى :
_ ماتخلصى قولى فينه !
تمتمت ببرود وصوت متهدج :
_ اتوفى امبارح بليل
همهم بدهشة :
_ ايه ازاى !
اجابته بجفاء متجاهلة سؤاله :
_ انت ايه اللى جايبك اتفضل مع السلامة .. ده غير ان فهد مش قاعد ووقفتك دى متنفعش
ابتسم بمكر ودفعها برفق عن الطريق ودلف الى الداخل ببرود وهو يدور بنظره فى المنزل بأكمله وهو يقول :
_ وفيها ايه فهد مش قاعد هو انتى مش واثقة فيا ولا ايه
تمتمت مشمئزة :
_ طبيعى موثقش فى واحد زيك حقير وحيوان
اشتعلت عيناه بحمرة الغضب وقبض على ذراعها بيده الفولاذية التى كادت ان تعصر ذراعها من شدتها فتأؤهت هى بصوت مكتوم وتمتم هو محذراً بنظرات مخيفة لكن لم تؤثر عليها مطلقاً :
_ الزمى حدودك معايا يابنت رشوان متخلنيش استخدم معاكى اسلوب يزعلك منى .. واظن انتى عرفانى كويس
تلوت بين يديه كى تستطيع افلات ذراعها من قبضته فالم تستطيع فرمقته بنظرة مشتعلة ثم رفعت كفها بالهواء وصفعته على وجنته بقوة وهى تهتف بحزم :
_ ده علشان تفكر مرة تانى تلمسنى
حدجها بنظرة ملتهبة ثم جذبها من ذراعها بعنف حتى التصقت بصدره وهو يتمتم بخفوت مرعب :
_ مبقيش الا انتى يابنت رشوان اللى ترفع ايدها عليا .. ورحمة ابويا لادفعك تمن اللى عملتيه ده غالى اوى
هتفت بنبرة محتقنة وصوت خائف :
_ ابعد عنى يامصعب احسلك
قهقه مرتفعا وهو يهتف بغطرسة :
_ هتعملى ايه يعنى ، قولى هتعملى ايه يلا
بدأت عيناها تزرف العبارات الحارقة فحدجها هو بنظرة قاسية ولم تهتز شعرة واحدة منه وهو يهتف بصوت اجشِّ ومخيف :
_ دلوقتى اسمعى اللى جاى اقوله وقبل ماتردى تفكرى كويس اوى
كان جسدها يرتجف بشدة وتحاول ان تتماسك امامه وان تتملص من قبضته لكنه كان محكم قبضته جيداً .. صاحت به بنبرة خائفة تحمل التحذير :
_ بقولك ابعد ايدك الوسخة دى عنى والا والله العظيم اصوت وافضحك
مصعب بنبرة مخيفة متجاهلاً تهديدها :
_ اسمعى قدامك حلين ياتقبلى تتجوزينى يأما انا مستعد اقول كل حاجة اللى عملها اخوكى معايا وكمان البسه قضية من عندى ياخد فيهم الاتنين مش أقل من تأبيدة
هتفت بصياح هادر وانفعال :
_ انت ايه ياخى مبتخفش من ربنا اتقى الله ، انا مستحيل اصلا اقبل بواحد زيك ، ومش هتقدر تثبت حاجة على فهد لانه اصلا برئ ومعملش حاجة
مصعب ببرود مستفز وجفاء :
_ انا قولت اللى عند براحتك بقى لو مستغنية عن اخوكى ابقى ارفضى عرضى
ثم استدار وانصرف .. هرولت هى راكدة الى الباب واغلقته جيداً وصدرها يعلو ويهبط وانفاسها تتسارع كأنها فى سباق للعدو ، وجسدها يرتجف وينتفض بشدة .. ثم جثت على الارضية واضعة رأسها بين راحتى يدها وهى تجهش باكية بقوة وحرارة ، تلك المصائب المتتابعة تفوق قوة تحملها … ماذا تفعل اتوافق وتقبل ان تعيش مع عديم الرحمة هذا ام تدع اخيها يقضى بقية حياته فى السجن ……..
***
احد الاشخاص :
_ هااا لقيتى حاجة
هند :
_ لا انا قلبت المكتب كله ملقيتش الملفات دى شكله خباها لما شك فيا
اجابها بنبرة تحمل فى طيأتها التحذير :
_ دى مش مشكلتى ياسهير الورق ده تقبى وتغطسى وتجبهولى انا مش جايبك البيت عنده علشان تنامى وتاكلى وتشربى
هند بازدراء :
_ طيب طيب سلام لاحسن ياجى ويشوفنى تانى وانا فى المكتب
_ سلام
***
أغار ( هجم ) عليها وهو يزأر من بين اسنانه ويصيح بها بصياح مخيف :
_ انتى مجنونة عايزة تجيلى المستشفى عند ماما
اجابته بتوجس وضيق واضح :
_ فيها ايه يعنى يامؤيد
جذبها من ذراعها اليه وهو يقول فى صيحة عنيفة :
_ اسمعى يابت انتى اقسم بالله لو امى عرفت بأى حاجة بينا لتكون نهايتك على ايدى انا ماصدقت بدأت تتحسن شوية حالتها
صاحت به هى الاخرى فى غيظ :
_ وانت نسيت انك وعدتنى انك هتتجوزنى ، فيها ايه بقى لما اروحلها معاك وتقولها على كل حاجة
اطال النظر اليها بصمت مرير ثم دفعها برفق تاركا ذراعها وهو يتمتم ببرود :
_ انا مش فاكر انى قولت حاجة زى كده وحتى لو قولت فأنا خلاص غيرت رأى
فتحت واغلقت بؤرة عينها بدهشة اكثر من مرة ، كى تستوعب ماتسمعه اذنيها ثم همهمت بترقب وصوت هادئ :
_ يعنى ايه مش فاهمة !!
ابتسم لها بغطرسة وهو يتمتم بنفس نبرته :
_ ايه هو انا بتكلم هيروغليفى ولا ايه … زى ماسمعتى ياقلبى غيرت رأى خلاص
تابعت بنبرتها الهادئة بعدم استيعاب :
_ انت اكيد بتهزر يامؤيد
تلاشت ابتسامته ثم نفخ بصوت مسموع وتحرك تجاه الاريكة الجليدية التى تتوسط فى نصف ” الصالون ” وجلس عليها بارتياحية وهو يردف باستنكار :
_ ايه هو انا باين عليا اوى انى بهزر ولا ايه ، على العموم لا مش بهزر ياحبيبتى ويلا بقى من غير مطرود علشان عايز اغير وانام
ثم وثب واقفاً من على الاريكة وهو يهمس بالقرب منها بنظرات تبجح ونبرة فظة :
_ لو انتى عايزة تقعدى معنديش مشكلة خالص
رمقته بنظرات ساخطة تحمل الاحتقار والاشمئزاز ثم هتفت متوعدة :
_ ماشى يامؤيد … ماشى
ثم استدارت وغادرت المنزل مسرعة .. بينما هو تنفس الصعداء ثم مسح على وجهه وشعره وهو يتأفف بقوة ويلهث مما فى صدره من الغيظ ، ثم جلس على الاريكة واضعاً رأسه بين راحتى يديه ، سابحاً بين شجونه الثائرة
***
هتفت صفا بغضب شديد :
_ عرف ايه مصعب ؟؟
اجابها شخص ما بهدؤء :
_ عرف ان اللى كان ورا قتل فؤاد بيه ، رشوان بيه وبهيرة هانم
حملقت به بذهول تام للحظات وجيزة ثم صاحت به بضجر واضح :
_ وازاى عرف مين اللى قاله
_ اللى اعرفه انه القسم اللى عرف وهو خبره … لا وكمان سمعت ان رشوان بيه اتوفى امبارح بليل
اتسعت بؤرتى عينها بصدمة وفغرت شفتيها وهى تمتم :
_ ايييه … يعنى لو عمى مات فعلا ماما اللى هتشيل الليلة ومستحيل مصعب يسامحها .. انت لازم تعمل اى حاجة
_ اعمل ايه طيب ياست هانم انا تحت امرك اللى هتقولى عليه هعمله
اجابته بنظرات زائغة ونبرة قلقة :
_ اعمل اى حاجة اتصرف
اجابها بإيجاب :
_حاضر
تنهدت بقوة ثم استدارت وغادرت مسرعة وهى تقبض على يد طفلها ويمشى بجانبها ، ثم اوقفت سيارة اجرة وصعدت بها … كان ابنها يتحدث اليها وهى لاتصغى اليه مطلقاً ، كانت شاردة الذهن فيما قاله ذلك الرجل ، تفكر فيما سوف يفعله مصعب وماذا ان علم بفعلتها ايضاً ، كيف ستتلقى عقابها منه …. ترجلت من السيارة هى وطفلها بعد مرور دقائق ليس بقليلة ، ثم صعدت الدرج المؤدى الى شقتها وقامت بفتح الباب فوجدت طارق يجلس على الاريكة بهدؤء تام ، وتلك النظرات التى بعينه لاتبشر بخير مطلقاً ………
***
كان يقف فوق تل عالى يستطيع من خلاله رؤية بعض المناطق العشوائية واجزاء من المدينة ، كان يحمله النسيم متدفقاً متموجاً ، منظر ثابت بيعث فى نفسه الطمأنينة والراحة ، كان وجهه عابث ، يتذكر طفولته التى كانت بمثابة اكبر كذبة له ، اذاق جميع انواع الاهانة والذل ، التى تركت به أثر حتى الان ، كان يتذكر حديث ابيه له عندما كان فى الثامنة عشر من عمره وهو يقول له ” متخليش حد يكسرك يابنى ولا يمسكك من ايدك اللى بتوجعك خليك عارف نقطة ضعف كل واحد علشان وقت مايحب يلعب بديله معاك تمسكه انت من ايده اللى بتوجعه ، متديش لحد فرصة انه يهينك او يذلك او يفرض نفسه عليك ، خليك أسد فى حكمك وسيطرتك وحكيم فى قرارتك علشان محدش يقدر يكسرك
افاق من بحر شروده وهو يتنهد بقوة ، ثم اتجه نحو سيارته واستقل بها وانطلق تجاه منزل بهيرة ………….
***
توقفت سيارته امام بوابة الڤيلا وبمجرد مارأه حارث البوابة قام بفتحها له .. ثم باشر سيره بالسيارة الى داخل الڤيلا حتى عبر البوابة ثم قام بوقف السيارة وترجل منها ….. اتجه الى باب الڤيلا وطرق الباب عدة طرقات متتالية ففتحت له بهيرة الباب ، بمجرد رؤيتها اياه ، انفتحت مقلتى عينها بصدمة ممزوج ببعض التوتر من نظراته الكميتة البادية على محياه … فدفعها برفق عن طريقه ودلف الى الداخل بهدؤء تام وهى تتابعه بأعين متعجبة من ذلك الهدؤء وايضا من مجيئه هذا المفاجئ .. ظلت تحدق به باستغراب بالغ وبعد دقائق من الصمت التام نطق وهو يهتف بهدؤءه المعتاد :
_ هو ليث مش قاعد ولا ايه
اجابته بنظرات دقيقة :
_ لا مش قاعد .. هو فى ايه يابنى مالك
رمقها بنظرات ساخرة وهو يهتف باستهزاء :
_ ابنك !! … شكلك عشتى الدور اوى يابهيرة
تشدقت هى بثبات ونبرة شبه ضجرة وهى تتصنع البراءة :
_ ايوه ابنى يامصعب انت ناسى انى انا اللى ربيتك
التوى فمه بابتسامة هازئة وهو يشيح بوجهه عنها :
_ ونعم التربية
ثم استدار بجسده ناحيتها مجددا واقترب منها وهو يحدجها بنظرات تحمل فى طيأتها الكره والغل :
_ فاكرة لما جيتى فى عزا بابا وانا كنت وقتها عرفت كل حاجة عملتيها سعتها انا مستغربتش انك تعملى كده زى دلوقتى بظبط انا مش مستغرب انك تعملى كده لان اللى قتل مرة ممكن يقتل مرتين وتلاتة واربعة كمان
ازدردت ريقها بتوتر من تلميحاته ثم تمتمت بصوت مضطرب :
_ مش فاهمة قصدك ايه يعنى !؟
ابتعد عنها وهو يسير تجاه النافذة ويقف امامها بهيأته القوية وهو يهتف بصوت اجشِّ :
_ انتى فاهمة قصدى كويسة اوى متعمليش نفسك عبيطة .. كل مرة بكتشف حاجة جديدة من عمايلك الوسخة واخر المتمة قتل فؤاد الالفى اللى هو ابو عيالك واشتركتى فيه انتى ومين ..اخوه !
صفق بيده بقوة وهو يهتف بنبرة محتقنة :
_ لا بجد برافوا عليكم ظبطوها صح .. الاخ يقتل اخوه علشان ايه علشان الفلوس مش كده مش هو ده هدفك من زمان تكوشى على كل حاجة .. احب اقولك انك مليم واحد مش هتطوليه طول مأنا عايش على وش الدنيا يابهيرة و احمدى ربك انى سايبك تعيشى فى ڤيلا زى كده وتاكلى وتشربى وعلى حساب مين على حساب الراجل اللى قتليه
كانت نبضات قلبها تتسارع بشدة وشعرت وان قدماها ترتجف فصاحت به بخوف بالغ محاولة اخفائه :
_ ايه الكلام الفارغ ده انا مستحيل اعمل كده
استدار لها وهو يصيح بصوت جهورى :
_ انتى فكرانى مغفل ولا نايم على ودانى مش هعرف كل اللى بتعمليه انا عارف كل حاجة بس انا اللى مطنش وسايبك بمزاجى
بهيرة بصياح ممزوج ببعض الخوف :
_ انت مين اللى لعب فى عقلك وقالك الكلام ده
تقدم نحوها وهو يتمتم بخفوت :
_ كان نفسى ان يبقى فى قلبى ليكى ذرة احترام وحدة ولكن انتى اللى بتجبرينى على المعاملة دى
ثم رفع اصبع السبابة فى وجهها وهو يهتف بتحذير ونبرة تحمل التهديد :
_ اسمعى انا المرة اللى فاتت اتنازلت عن القضية مع ان واحد غيرى كان رماكى فى السجن وخد حقه بس انا عملت حساب لاخواتى وللمرة التانية بعمل حساب ليهم وبتنازل عن القضية بس انصحك متختبريش صبرى احسلك وافتكرى انك كده ضيعتى فرصتين المرة الجاية هتكونى فى السجن وسعتها انا مش هعمل حساب لاى حد لان عمايلك كترت اوى وانا قرب صبرى ينفذ ومش معنى انى تنازلت عن القضيتين يبقى الموضوع انتهى خلاص ، لا طبعا انا هاخد حقى بس بطريقة مختلفة … توجع اكتر اصل انا بحب اشوف عدوى بيتعذب قدام عينى بالبطيئ علشان احس بحلاوة الانتصار اكتر
ثم استدار وغادر المنزل .. بينما هى كان قلبها يطرق كالمطرقة وعقلها يطرح سؤال واحد ” ياترى ماذا سيفعل “
***
تصلبت مكانها عندما رأته هكذا بينما مالك هرول راكداً نحو ابيه ووجهه تعلوه ابتسامة مشرقة ، فحمله طارق على ذراعيه وقبله من وجنته ثم انزله على الارض وانحنى اليه واخرج علبه من كيس بلاستيك ليس بكبير كانت تحتوى العلبة على سيارة اطفال ، فجذبها الصغير من يدها بسرعة وهو يضحك بسعادة بالغة ويهتف :
_ الله .. جميلة يابابا
قبل رأسه وهو يتمتم بصوت حانى وكان من كل حين وحين يخطف نظرات حادة الى صفا :
_ يلا بقى ياحبيبى روح العب بيها جوه علشان عايز اتكلم مع ماما
استدار الصغير وانصرف وعينه معلقة على السيارة الصغيرة … بينما طارق تقدم تجاه صفا بخطواط واثبة ، التى كانت تحاول بقدر الامكان ان تشيح نظرها عنه من فرط توترها .. فهتف هو بخشوع تام ونظرات مرعبة :
_ كنتى فين ؟
ابتلعت غصة فى حلقها وتمتمت بصوت ضعيف :
_ كنت عند وحدة صحبتى ياطارق !
طارق بنظرات دقيقة :
_ ومن امتى بتطلعى من غير أذنى
غمغمت بتلعثم واضح :
_ أااصل … أصل انا كنت هروح اخد منها حاجة بسرعة واجى انا قولتلها تجبهالى ومكنتش هطول
_ وفينها الحاجة دى بقى !
حملقت به بذهول وكأن دلو من الماء البارد سكب عليها وهتفت مسرعة مخترعة كذبة اخرى :
_ لا مأصل هى ملقتش اللى انا عايزاه فى المحل
حك مؤخرة رأسه بنظرات شرسة :
_ اممممممم … طيب روحى ياصفا على الاوضة وانا جاى وراكى
اؤمات رأسها له ثم اسرعت الى الغرفة وهى تحمد ربها انا استطاعت الهرب منه .. بينما هو اتجه الى غرفة ابنه ، وجده يلهو بألعابه .. انحنى اليه وهو يهتف بخفوت :
_ مالك ياحبيبى هى ماما كانت فين
نظر له الطفل بصمت وتذكر امه عندما كانت تحذره وتقول له ” لو بابا سألك احنا كنا فين اياك تقوله فاهم “
فتحدث الطفل بعفوية وخوف بسيط :
_ اصل ماما قالتلى مقولكش
ادرك طارق انها لم تكن مع صديقتها كما تقول فتمتم بنبرة غليظة :
_ متخفش ياحبيبى مش هتعملك حاجة قول
صمت مالك للحظات صغيرة وهو يفكر يقول ام لا ثم حسم امره وتحدث قائلا بصوت خفيض خوفاً من ان تسمعه امه :
_ ماما كانت واقفة مع واحد كبير كده وطويل وكانوا بيتكلموا على خالو مصعب وتيتة
اؤما رأسه له بتفهم ثم هب واقفاً وعينه تطرأ شرارة الوعيد لها ثم هتف محدثاً ابنه بصوت صارم :
_ خليك هنا مكانك فاهم
اؤما رأسه له الطفل بخوف بسيط ثم اسرع هو تجاه غرفتهم كالثور الهائج ، وجدها تقوم بتبديل ملابسها فأنتفض جسدها بشدة عندما رأته.. ثم أغلق هو الباب بعنف واتجه نحوها ثم جذبها من خصلات شعرها بقسوة فأصدرت هى صرخة مرتفعة نسبياً وصاح به بسخط شديد :
_ هو انتى فكرانى ايه ياصفا واحد عبيط واهبل هتضحكى عليه بسهولة ومش هعرف روحتى فين وجيتى منين
سالت عباراتها على وجنتيها وهى تهتف ببكاء :
_ والله ياطارق انا….
صاح بها بصياح هادر :
_ انتى عايزة اللى يربيكى من اول وجديد … مين اللى كنت معاه ده .. انطقى
صفا ببكاء حار :
_ ده واحد بخليه يجبلى كل الاخبار
استمر فى صياحه وهو يقول :
_ وياترى بتخططى لأيه كمان لاخوكى المرادى لتكونى عايزة تقتليه اصل انتى وامك صنف واحد
اغلقت عينها وعباراتها لم تتوقف عن السقوط .. اقترب من اذنها وهمس بهدؤء قاسى ونبرة جافة :
_ خليكى عارفة انك لو فضلتى كده هتخسرى كل الناس واولهم انا حتى ابنك هتخسريه
ثم دفعها بقوة فسقطت على الارض وهى تبكى بحرقة شديدة ، ثم انصرف وغادر المنزل بأكمله … كان مالك يسمع شجار ابيه وامه ويبكى بصمت ………..
***
فى المساء ……
انهت صلاتها ثم جلست على فراشها وامسكت بكتاب القرأن الكريم واخذت تقرأ أيات الله بخشوع وبصوتها العذب ، فبدأت عينها تذرف الدموع عندما تذكرت ماحدث معها بالصباح .. كانت تقرأ أيات الله وعباراتها تتسابق على السقوط من مقلتيها ، اجهشت فى البكاء اكثر عنما قرأت الأية ” وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ” اخذت تشهق باكية بقوة بصوت مرتفع ، ثم نزعت نظراتها الطبية عن عينها ووضعت وجها بين راحتى يديها وهى تبكى بشدة .. تشعر وكأن ثقلاً يهبط على صدرها يجعل انفاسها تختنق ، تحاول ان تتماسك ولكن تلك العواصف المتلاحقة تفوق قوة تحملها ، دفعت بها الى. مكان مظلم ومسدود ليس به مخرج او مفر ، اما ان تضحى بحياتها مقابل اخيها اما ان تضحى بأخيها مقابل حياتها ، هناك أناس تستحق الطوفان ليحل محلها عالم جديد نظيف ولكن ماذا عسى الانسان ان يفعل ، ان الله هو القادر على هداية عباده .. ان الله يهدى من يشاء ويضل من يشاء بغير حساب …….
نهضت من فراشها وجففت عباراتها ثم امسكت بنظراتها وارتدتها ، واتجهت نحو شرفة الغرفة ، واستندت بمرفقيها على سور الشرفة وهى تحملق فى الظلام الدامس ونسيم الهواء البارد يلفح وجهها الرقيق ، وضوء القمر ينشر ضيائه فى كل مكان فينعكس ضوئه على عيناها السوادتين وبشرتها التى تميل الى البياض وشعرها الحريرى يتطاير من اسفل حجابها بسبب نسمات الهواء الباردة … فتنفست هى الصعداء بقوة وقد حسمت امرها على مواجهة ذلك الأسد المفترس !
_ يتبع ……….



