رواية حورية ومهران الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي

رواية حورية ومهران الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
استمر التوتر القوي بين مهران وحورية لـ أيام في موقع العمل بـ الميناء، والكل يتابع بـ ترقب هذا الصدام اليومي بين “الصرامة الحديدية” و”الأصالة والنقاء”. ورغم قسوة مهران الظاهرية وجفائه في العمل، إلا أن حورية استطاعت بفضل مخلص عذوبتها وحرصها الميداني أن تكسب ثقة ومحبة كل العمال والبحارة بـ تواضعها الشريف وحرصها على سلامتهم بـ الأصول الطيبة.
وفي عصر أحد الأيام، ثارت فجأة عاصفة بحرية هوجاء مصحوبة بـ أمطار رعدية عاتية وسيول جارفة تسببت في ارتفاع أمواج البحر بـ شكل مرعب واجتياحها لـ مخازن القطاع الشرقي بـ الموقع. أصدر مهران أوامره الصارمة بـ إيقاف العمل وسحب كافة العمال فوراً لـ غرف الإيواء بـ سرعة وحذر. وقف خلف زجاج مكتبه الميداني يتابع تراجع الآليات، وشعر بـ انقباض مفاجئ وعارم في صدره عندما أخبره المشرف بـ رعب أن حورية لم تعد، وأنها توجهت بـ مفردها إلى المخزن السفلي لـ حماية اللوحات التراثية والمخططات النادرة من تدفق مياه البحر.
تحركت في مهران المنصوري الشهامة، والمروءة، والرجولة الأصيلة لـ ابن البلد بـ لمح البصر؛ خلع سترته الرسمية واندفع خارج المقر وسط الرياح والسيول العاتية غير مبالٍ بـ الخطر الذي يهدد حياته. ركض وسط المطر والظلام، والقلب الذي ظنه حديدياً وصخرياً طوال حياته كان ينبض بـ رعب عارم خوفاً على سلامة حورية ونقائها الشامخ.
بعد بحث شاق وسط الأمواج المتلاطمة والطين والمياه المتدفقة داخل المخزن، وجدها تقف بـ شجاعة تحاول رفع الصناديق الثقيلة بـ يدها الرقيقة والنظيفة. هبط مهران كـ الإعصار بـ غضب مرعب؛ وبـ بنيته القوية وعضلاته المفتولة دفع الصناديق وأحكم رفعها لـ مكان آمن، ثم التفت نحو حورية وبـ حسم غاضب تملؤه اللهفة والعشق الخفي، أمسك بـ يدها وسحبها لـ صدره لـ يخرج بها بـ الأمان وسط العاصفة.
بـ مجرد دخولهم المكتب الدافئ، صاح مهران بـ غضب مكتوم يخفي وراءه خوفاً جارفاً وقاتلاً عليها:
“هل جننتِ يا باشمهندسة؟ بقاؤكِ هنا وسط هذه الأمواج والسيول لـ أجل لوحات قديمة كان سـ يكلفكِ حياتكِ بـ هذه البساطة! الشجاعة لا تعني التهور بـ أرواحنا!”
نظرت حورية إلى عيونه الصقريتين الحادتين بـ دموع حبيسة تفيض بـ النبل والعزة، وقالت بـ صوت عذب وقوي زلزل حصون قسوته الصخرية:
“يا مهران بيه.. هذه اللوحات هي أمانتي المهنية التي أقسمت على حمايتها، وحياتي ليست أغلى من مبادئي. شهامتك ومروءتك التي جعلتك تخاطر بـ حياتك لـ تنقذني الآن، تثبت أن خلف قناع صرامتك وجفائك المصطنعة رجلاً شهماً يعرف معنى التضحية بـ الفطرة، فلماذا تحارب أصلك الطيب بـ اسم النفوذ والمال؟”
صمت مهران بـ صدمة وعجز عن الرد لأول مرة في حياته؛ كلمات النقية اخترقت أسوار قلبه بـ النور والنبض بـ ساحة الحق بـ النور والأصول الطيبة.



