رواية دواعي امنية مشددة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم منال سالم

رواية دواعي امنية مشددة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم منال سالم 

 


الفصل الثالث والعشرون ( الجزء الأول ) :

تجمدت ساقي إيناس في مكانها مذعورة حينما التفتت مصادفة للخلف لترى باسل محدقاً بها بنظرات نارية متأججة ..
قفز قلبها في قدميها ، ودبت إرتجافة قوية في أوصالها ..
إحساس قوي بالانتقام المهلك منه سيطر عليها ..
يكفيه نظراته النارية المسلطة عليها لتعرف أنها نزعت فتيل قنبلة غضبه اللا محدود ..
ازدردت ريقها الذي جف بصعوبة بالغة .. وهمست بنبرة مرتجفة وهي تقول بتلعثم :
-أنا .. أنا كنت باشوف ..آآ.. القلم … آآ
لم تستطع إكمال جملتها الغير مفهومة ، وتلفتت حولها بذعر محاولة إختلاق أي عذر للنجاة بنفسها من بطشه ..

تابعت بإرتجافة أكبر في نبرتها وبرعشة واضحة في جسدها :
-كان في .. آآ.. فار … آآ.. ﻷ قصدي كلب .. ب.. آآ بينط على عربيتك ، ف..آآ.. فكنت بأهشه بالطوبة !

لم يعلق على ما قالته ، ولكنها شعرت بنيرانه المحتقنة التي توشك على إحراقها حية إن لم تفر اﻵن من أمامه ..

أضافت قائلة بتوجس شديد :
-مــ.. مجاتش الطوبة فيه ، فــ..آآ.. فالإزاز ادشدش !

أخفضت بصرها لتتجنب نظراته المهددة ، فرأت القلم الحبري في يدها المرتعشة ، فرفعته عفويا للأعلى ، وهتفت بصعوبة وهي تجاهد للسيطرة على حالة الذعر المتمكنة من خلاياها :
-خد .. آآ.. خد القلم ده .. آآ .. آآ.. أنا مش عاوزاه !

ثم مدت يدها به نحوه وهي تنظر له بنظرات زائغة ..
كان كالصنم أمامها لكن قست ملامحه بصورة بائنة ..
لم يشعر بمثل ذلك الغضب في حياته من قبل .. هي تأجج به مشاعراً مختلفة بين النقيضين في لحظة واحدة ..
قاتل هو بأقصى طاقاته لكبح عصبيته قبل أن تثور في وجهها وتدمرها …
وبلا لحظة أخرى من التأخير ، ألقت هي بالقلم الحبري على الرصيف ، وتراجعت بخطوات متعثرة للخلف متحاشية الاقتراب المهلك منه ..

هتف بها بصوت خالي من الحياة دون أن تطرف عيناه :
-استني عندك !

لم تستطع الامتثال لآمره الحاد فهي تعلم ما سيحدث لها من خطر رهيب إن ظلت باقية في مكانها .. وفكرت في الركض هرباً منه .. وبالفعل حسمت أمرها ونفذته بلا تردد حيث انحرفت للجانب لتتمكن من الالتفات حوله ، وتجاوزته وركضت بأقصى سرعة للأمام …
صاح بها باسل بصوت متشنج وهو ينظر لها مدهوشاً من هروبها :
-إيناس !

خفق قلبها بقوة من صوته المحتقن … ولم تستطع النظر إليه وأكملت ركضها ..
ولكن في نقطة ما ، التفتت برأسها للخلف – في حركة عفوية منها – لتتأكد من أنه لا يتبعها ، ولم تأخذ حذرها من عمود لوحة الإعلانات المثبت على الرصيف .. فارتطمت بحافته المدبدبة بعنف قوي .. وكان النصيب اﻷكبر من الصدمة المؤلمة في جانب رأسها …
ترنح جسدها بإهتزازة صريحة ، وسقطت على الارضية الحجرية من أثر الضربة ..
تكورت على نفسها محاولة إفاقة نفسها .. لكنها كانت مهزوزة للغاية ، ورؤيتها شبه مشوشة …

انتاب باسل حالة من الهلع حينما رأى ما حدث ﻹيناس .. وانقباضة قوية سيطرت على قلبه ..
ركض ناحيتها وجثى على ركبتيه أمامها .. ومد يديه ليمسك بها من ذراعيها ، فانتفضت بفزع ونظرت إليه برعب ، وتوسلته بنبرة راجية وهي تتوهم محاولته لغرز القلم الحبري في عنقها :
-مكونتش اقصد .. أنا .. آآ..

نظرت إلى قبضته التي ارتفعت فجأة عن ذراعها لتتجه نحو وجهها ، فخشيت أن يسدد لها إحدى لكماته الفتاكة ، فصرخت بهلع وهب تبكي :
-وشي مش مستحمل .. كفاية بواني ! أنا مش أد ايدك دي !

نظر لها بخوف واضح في حدقتيه ، وهزها برفق محاولاً إفاقتها من حالة الرعب المسيطرة عليها ، فهو لم يكن ليؤذيها قط .. ولكنه كان يود تهذيبها ظناً منه أنها تنساق بجموح وراء تصرفات المراهقين الطائشة والغير محسوبة ، وهتف متوجساً :
-إيناس .. اهدي واركزي مش هاعملك حاجة

رفع عينيه للأعلى ليجد خيطاً من الدماء ينساب من جانب رأسها ، فانقبض قلبه أكثر ، وهتف مردداً بفزع :
-ده دم .. انتي اتعورتي فين ؟!

وضعت إيناس يدها المرتجفة على كفه محاولة ابعاده عنها وردت عليه بصوت خائف :
-مكونتش اقصد .. بس .. بس ماتموتنيش !

-انتي مجنونة !!!
قالها باسل وهو ينظر لها مذهولا من تلك الفكرة المسيطرة على عقلها بغرابة ، وموهمة إياها أنه سيفتك بها لمجرد محاولة طائشة وهوجاء منها ﻹغاظته وتحطيم زجاج سيارته ..
……………………………

في نفس التوقيت ، كان الصمت سائداً بين سابين ومسعد خاصة بعد إفصاح اﻷخير عن الخبر المؤسف المتعلق بنقلها إلى مكان أخر آمن تمهيداً لعودتها إلى ولاية أوهايو حيث المحاكمة الخاصة بقضيتها …

كان هو يعاني من آلم موجع في صدره بسبب فراقها ، ولكنه لم يرد إظهار هذا أمامها حتى لا يؤلمها معه ..
يكفيه أن يعاني لوحده ..
انتبه هو إلى صوت تهشم زجاج ما ، وارتعدت سابين في ذات الآن من قوته ، فطمأنها قائلاً بإبتسامة هادئة :
-متخافيش ، تلاقي حد بس وقع حاجة

هزت رأسها بإيماءة خفيفة ، وحاولت الحفاظ على سكونها رغم الشحوب البادي على تعابيرها ..

بعدها بلحظات استمع إلى صوت الهتاف العالي المنادي بإسم شقيقته إيناس .. فقطب جبينه مندهشاً ، ونهض عن مقعده ، واتجه للشرفة لينظر منها إلى الطريق

اتسعت حدقتيه في صدمة حينما رأى أخته جاثية على الأرضية الحجرية وإلى جوارها باسل ، فهتف بلا وعي :
-إينـــــــــاس !

هبت سابين هي الأخرى واقفة من مقعدها ، واتجهت لحافة الشرفة لتنظر منها ، ودار في رأسها هواجس متعددة ..
فقد اعتقدت أن هناك من تعرض لها بالأذى ..

لم ينتظر مسعد في مكانه كثيراً ، بل ركض كالمجنون إلى الخـــارج ولحقت به سابين …

تساءلت صفية بتعجب وهي تنظر إلى ابنها الذي تبدلت حالته للفزع :
-في ايه يا بني بتجري كده ليه ؟

أجابها بصوت قاتم وهو يفتح باب المنزل :
-إيناس واقعة في الشارع

لطمت والدته على صدرها في رعب ، وصرخت بهلع :
-بنتي !

لحقت سابين بمسعد ، ونزلت خلفه على الدرج .. بينما أتت إسراء من الغرفة الداخلية على إثر صوت والدتها الصارخ ، وتساءلت بخوف هي الأخرى :
-في ايه يا ماما، بتصوتي كده ليه ؟

لم تستطع صفية تمالك نفسها بعد تلقي ذلك الخبر المخيف ، ، وردت على ابنتها الكبرة بنبرة مرتجفة وهي تشير بيدها :
-آآ.. أخوكي بيقول اختك واقعة في الشارع

شهقت إسراء مصدومة وهي تضع يدها على صدغها :
-يا نصيبتي !

تابعت قائلة بنبرتها المرتعشة :
-آآ.. الحقي أخوكي لحد ما أصحي أبوكي يشوف بنتنا جرالها ايه !

أومـــأت برأسها إيجاباً ، واتجهت للخلف وهي تجيبها :
-حاضر يا ماما ، هاحط الطرحة على دماغي ، ورايحة وراه ، استر يا اللي بتستر !
…………………………………

وصــــل مسعد إلى شقيقته ، وجثى هو الأخر أمامها ، وتساءل بخوف واضح وهو ينظر إليها متفحصاً الأضرار التي أصابتها :
-إيناس ، حصل ايه ؟

كانت ترتجف بشدة وهي تحاول الرد عليه ، فخرج صوتها متقطعاً غير مفهوماً ..
التفت مسعد برأسه نحو باسل وسأله بحدة :
-في ايه يا باسل ؟ انت كنت معاها !

ابتلع ريقه ، ونظر إليه بتخوف قليل .. فهو لم يرد ابلاغه بما فعلته أخته في سيارته ، واختلق سريعاً كذبة شبه مقنعة ليقولها لها ، فأجابه بثبات حذر :
-الظاهر كان في كلب سعران بيجري وراها وهي .. آآ.. وهي خافت منه وجريت على البيت بس مخدتش بالها من اللوحة دي !

هتفت سابين بجدية وهي تشير بإصبعها نحو جانب رأس إيناس :
-لازم نوقف blood ( الدماء ) !

رد عليها مسعد بصوت جاد للغاية :
-احنا هنوديها على الطواريء !

انضمت إليهم إسراء ، وصرخت بخوف :
-نوسة مالها ؟ البت حصلها ايه يا مسعد ؟

أجابها بصوت متجهم :
-كلب كان بيجري وراها فدخلت في الزفت ده ، واتكومت على الأرض ، وأديكي شايفة دماغها عاملة ازاي

لطمت إسراء على صدرها بخوف وهي تهتف قائلة :
-دي دماغها مفتوحة !!

انزعج باسل من التحقيقات المتتالية حول أسباب إصابة إيناس ، وعدم اهتمامهم بإسعافها أولاً ، فصـــاح بعصبية :
-يالا يا جماعة مافيش وقت ، عاوزين نطمن عليها وبعد كده نبقى نسأل على اللي حصلها !

هتف مسعد بتلهف وهو يوميء بعينيه :
-بسرعة على عربيتي !

وافقه باسل قائلاً :
-ماشي !

أضافت إسراء قائلة وهي تشير بيدها للخلف :
-أبوك وامك جايين ورايا ، مش هايسبوها !

بينما أردفت سابين قائلة بإصرار :
-موســأد أنا اجي معاك !

وهتفت إسراء هي الأخرى بجدية :
-وأنا كمان مش هاسيب أختي

احتار مسعد فيمن سيصطحب معه في سيارته ، والتي لن تكفي بالطبع لكل أفراد العائلة ، فالتفت إلى صديقه ، وهتف فيه بصوت آمر :
-طب باسل خد انت بابا وماما ، وحصلنا على مستشفى الطواريء !

أومــأ برأسه موافقاً وهو يردد :
-ماشي !

وبالفعل حمل مسعد أخته بين ذراعيه ، واتجه بها نحو سيارته ، وأسندها على المقعد الخلفي ، وجلست إلى جوارها أختهما الكبرى إسراء والتي احتضنها بحزن بائن على وجهها …
جلست سابين في المقعد الأمامي ، واستدارت برأسها للخلف لتتابعها بخوف ..
بينما ظل باسل واقفاً إلى جوار السيارة وقلبه يخفق بقوة هلعاً على ما أصاب حبيبته التي يعشقها في صمت ..
تعلقت أنظاره بها .. وأدمعت عيناه قليلاً وهو يرمقها بنظرات أسفة .. فهو دون قصد منه قد تسبب في إيلامها مجدداً ..
كور قبضة يده واعتصرها بشدة ..
وتعهد لنفسه ألا يتهور مجدداً معها حتى وإن كان بالمزاح ، فهو لن يتحمل أن يصيبها مكروه بسببه …
………………………………….

في بهو أحد الفنادق الفاخـــرة ،،،

اجتمع بعض الأفراد في البهو الخاص بالفندق ، وأشـــار أحدهم للبقية بيده ليتبعوه ..
جلسوا حول الآرائك الخاوية الموضوعة في إحدى الزوايا ليكونوا بعيداً عن أعين المحيطين بهم ..
أردف زعيمهم قائلاً بجمود :
-اسمعوني جيداً

أصغى إليه الجميع بإنتباه تام ، فتابع بصوت خافت :
-لقد حصل على عنوان الفتاة الحالي ، وسننتقل فوراً إلى هناك لنراقب المكان بدقة ..!

أشـــار بيده وهو يكمل بنبرة مخيفة :
وحينما تحين اللحظة المناسبة ، سنتخلص منها للأبد .. !

تبادل البقية كلمات جانبية مقتضبة ، فقاطعهم قائلاً –وابتسامة شيطانية متكونة على ثغره – وهو يردد بثقة تامة :
-لن يمر عليها الغد إلا وهي تشيع إلى مثواها الأخير ……………………………. !!!


الفصل الثالث والعشرون ( الجزء الثاني ) :

في المشفى العسكري ،،،
انتهى الطبيب من تقطيب جراح إيناس بغرفة الطواريء بعد أن أوصلها أخيها ” مسعد ” إلى هناك ، وأكملت الممرضة تضميده ..
تفقد حالتها بحرص واضح ليتأكد من عدم وجود أي توابع أخرى ، أو مضاعفات جانبية ، وتعجب من حالة الهلع والفزع البادية على عائلتها ..
بل ما أثار استغرابه حقا هو كم التوصيات الخارجية من أجل الإعتناء بها .. وخرج بعدها وهو يرسم على ثغره ابتسامة دبلوماسية مجاملة مردداً :
-المريضة بخير .. مافيش داعي للقلق ده كله !

تساءلت صفية بتلهف وهي تحاول التماسك والصمود :
-بنتي فاقت ؟ طمني عليها الله يكرمك يا بني
أجابها الطبيب بثبات :
-هي بخير !
أضافت سابين قائلة بنبرة متعاطفة وهي عابسة الوجه :
-أتمنى تكون افضل ( hope she is okay)
تساءلت إسراء مستفهمة وهي ترفع حاجبيها للأعلى :
-أومال ايه التخاريف اللي كانت بتخطرف بيها طول السكة ؟
ابتلع باسل ريقه عقب عبارتها اﻷخيرة ، فقد خشي أن تكون إيناس قد تفوهت بشيء ما في حالتها الغير واعية يشير إليه بدون قصد …
بدى وجهه شاحباً للغاية ، وكذلك كانت نظراته موحية بوجود خطب ما .. ورغم ما يعتريه من مشاعر مختلطة ما بين خوف وندم وقلق وفزع إلا أنه كافح للحفاظ على رباطة جأشه أمام المتواجدين …
خرج هو من حالة شروده المؤقتة على صوت الطبيب وهو يتابع بصوت هاديء :
-ده طبيعي ..من اثر الصدمة !
أردف والدها قائلاً بصوت شبه متحشرج :
-قدر ولطف
بينما عقب عليه مسعد بصوت حزين :
-ربنا يسترها

-أنا عاوزة أشوف بنتي وأطمن عليها
هتفت بها صفية بنبرة شبه باكية وهي تمسح وجنتها المبتلة بظهر كفها المرتعش ، فرد عليها الطبيب بهدوء :
-كلكم هتشوفها ، ننقلها بس أوضة عادية وتطمنوا وتقدروا كمان تاخدوها ﻷن الموضوع مش خطير !
تنفس الجميع الصعداء بعد عبارته اﻷخيرة وتبدلت أوجههم العابسة إلى أخرى متفائلة ومطمئنة ، و كان أكثرهم إرتياحاً هو باسل …
………………………….

في مكان ما بولاية أوهايو ،،،

أسند الرجل الغامض كأسه بعد أن فرغ من شرب محتواه المُسكر ، والتوى ثغره بإبتسامة شيطانية وهو يقول :
-اذن ما هي إلا ساعات وأنتهي تماماً من هذا الكابوس !

رد عليه رجله الخاص بثقة :
-بالطبع سيدي ، فقد اتخذ الجميع مواضعهم بالقرب من مسكنها الحالي ، وينتظرون اللحظة المناسبة للهجوم عليها

حذره ذلك الرجل الغامض بجدية مريبة :
-تلك المرة لا أريد أي أخطاء

رد عليه رجله الخاص بهدوء :
-اطمئن ! لقد تأكدت بنفسي من الخطة وطريقة تنفيذها !
………………………………

في سيارة باسل ،،،
تحاشى باسل التواجد بالقرب من إيناس عندما تأكد من إفاقتها ، وأنها باتت بخير كي لا يثير ريبة أي شخص ، وفضل أن ينتظر بسيارته عندما يوصل والديها إلى المنزل ..

ترقب رؤيتها من بعيد بفارغ الصبر ، وتعلقت أنظاره بها حينما رأها تخرج من باب المشفى الواسع مستندة على أختها الكبرى ومسعد ..
كاد أن يتهور ويخرج من السيارة ويتخلى عن ثباته الزائف ، لكنه أجبر نفسه على الصمود ..

لم تفارقها نظراته حتى ركبت سيارة أخيها ، وعاد إليه والديها وهما يرسمان على وجههما ابتسامة رضا وسعادة ..
-معلش يا بني عطلناك
قالتها صفية وهي تلقي بثقل جسدها على المقعد الخلفي بالسيارة ..

رد عليها باسل بإبتسامة مهذبة :
-متقوليش كده ، أنا معملتش حاجة

أضـــاف زوجها اللواء محمد مجاملاً:
-باسل مننا وعلينا ، ده أنا بأعتبره واحد من العيلة

أكدت صفية على ما قاله بحماس :
-اه والله عندك حق

انطلق بعدها باسل بالسيارة ليلحق بمسعد الذي قـــاد سيارته هو الأخر في اتجاه المنزل …
تساءلت صفية بفضول وهي تنظر إلى الزجاج الخلفي المهشم :
-هو ايه اللي جرى لعربيتك ؟ أنا عاوزة أسألك عنها من بدري !

ارتبك لوهلة من سؤالها المباغت ، ثم تدارك الموقف سريعاً ، ورد عليها قائلاً بهدوء مصطنع :
-مش عارف ، أنا لاقيتها كده !

رد عليه اللواء محمد قائلاً بتعاطف :
-ربنا يعوض عليك ، وديها عند التوكيل وآآ…

قاطعه باسل قائلاً بجدية :
-ما أنا هاعمل كده بس بالنهار بقى !

أضاف اللواء محمد بنبرة منهكة :
-اها .. صح ده الوقت اتأخر أوي

تنفس باسل الصعداء أن تلك الكذبة الصغيرة انطلت عليهما .. وزفــــر بإرتياح واضح .. وأثر الصمت خلال باقي المحادثة ..
تابعت صفية قائلة بضجر :
-أه والله ، محسناش بيه خالص ! اتلبخنا في اللي حصل لنوسة

رد عليها زوجها بصوت شبه خافت :
-الحمدلله إنها جت على أد كده !

هتفت صفية بسخط وهي تشير بكف يدها مؤكدة :
-البت دي اتحسدت والله

رد عليها زوجها بضيق وهو يدير رأسه قليلاً للخلف لينظر إليها من طرف عينه :
-ما انتي اللي صممتي تحتفلي بيها وآآ…

قاطعته قائلة بنية عازمة :
-بكرة هابخرها وأرقيها من العين واعملها عروسة أفقع بيها عين آآآ….

لم يصغِ محمد إلى بقية حديث زوجته الغير مُجدي ، وتمتم مع نفسه بإمتعاض :
-ايوه ، التخاريف وأمور الدجل اللي مش بتنتهي !

هتفت هي فجـــأة بصوت مرتفع لتسترعي إنتباهه بشدة :
-بالحق ! إسراء كانت كلمتني في موضوع يخص نوسة

رد عليها متسائلاً وهو يرفع حاجبه للأعلى :
-موضوع ايه ده ؟

انتبه باسل هو الأخـــر إلى حديثهما عنها ، وركز حواسه بالكامل معهما .. فقط نظراته المتربصة كانت مسلطة على الطريق ..

أجابت صفية على سؤاله بفتور :
-بتقولي في عريس تبع جوزها ابن ناس ومن عيلة مبسوطة بيدور على عروسة تكون صغيرة وحلوة ، فجوزها سألها عن بنتنا

اتسعت حدقتي باسل في صدمة كبيرة ، واحتقن وجهه نوعاً ما بحمرة غاضبة ..
أيعقل ما سمعه تواً ، هل تتحدث حقاً عن خطبة إيناس هكذا بكل بساطة وكأنها فتاة عاقلة راشدة وليست مجرد مراهقة طائشة ؟
عجز لوهلة عن التفكير فيما ، وأفاق من شروده المصدوم على صوت اللواء محمد وهو يرد مستنكراً :
-ده نوسة لسه صغيرة !

صــــاح باسل فجـــأة بصوت شبه محتقن :
-هو بيستهبل ! جواز ايه اللي في السن ده !

نظر إليه الاثنين بإندهاش تام .. وسلطا أنظارهما عليه بصورة فاحصة متفحصة لردة فعله المبالغ فيها ..

حـــاول هو أن يبرر إنفعاله قائلاً :
-احم .. معلش اعذروني ، الموضوع ماليش دخل فيه ، بس آآ…

قاطعه اللواء محمد قائلاً بهدوء بعد أن تفهم مقصده :
-قول رأيك يا باسل عادي ، ما انت زي أخوها الكبير

نظر له باسل بعينين محتدتين ، وكأن تصريحه الأخير قد زاد من حالة استفزازه ، وردد مع نفسه بحنق وقد تحولت قسمات وجهه للتجهم :
-أخوها !!!!

بررت صفية موقفها قائلة بصوت منزعج :
-أنا مردتش أصلاً عليها ، وقولتلها آآ…

قاطعها زوجها بصرامة :
-الموضوع مرفوض يا صفية ، نوسة رايحة لسه ثانوي ، وانتي بتكلمي عن جواز وخطوبة وكلام فاضي !!!!

ضغطت على شفتيها لتقول بعبوس :
-خلاص يا حاج ، اعتبره كأنه محصلش

أكمل زوجها قائلاً بغلظة :
-لا حصل ولا اتقال من أساسه ! يتنسى وتنبهي على بنتك مالهاش دعوة بنوسة وتركز مع جوزها وعيالها وبس

ردت عليه بإمتعاض وهي تزفر بنبرة عميقة :
-طيب

ردد باسل بين طيات نفسه بإستنكار ممزوج بالغضب وهو يكافح للحفاظ على ثبات تعابير وجهه :
-جواز ! ومن دلوقتي ؟!!!!!
…………………………

في منزل مسعد غراب ،،،،

عـــــادت العائلة إلى المنزل مجدداً بعد أن تأكدوا من عدم وجود ما يستدعي بقاء إيناس بالمشفى وسماح الطبيب لها بالخروج ..
والتفوا جميعاً حول فراشها ..
قبلتها والدتها من جبينها ، وهتفت بحماس :
-ربنا ما يوريني فيكي حاجة وحشة ، لا انتي ولا اخواتك !

ربتت إسراء على كتف أختها ، وقالت بحنو :
-خدي بالك بعد كده يا نوسة !

ابتسمت سابين وهي تهمس برقة :
-همدلله ( حمدلله ) على سلامة !

رد عليها مسعد بإبتسامة بلهاء وهو محدق بوجهها الذي بات شغفه مؤخراً :
-شكراً يا سابين !

تساءل محمد بجدية وهو يتلفت حوله بنظرات شمولية :
-اومال العيال فين ؟

ردت عليه ابنته الكبرى إسراء قائلة وهي تشير بيدها للخلف :
-نقلتهم الأوضة عندك يا ماما ، الحمدلله إنهم فضلوا نايمين ومصحيوش طول ما احنا برا !

تنهدت صفية في إرتياح :
-الحمدلله

انزعج والدها من تصرفها الأهوج ، فلا يجوز بأي حال من الأحوال ترك الأطفال الصغار بمفردهم دون وجود رقيب أو متابع معهم ، فلا أحد يضمن ما يمكن أن يحدث في لحظة من تهور أحدهم …
لذا رمقها بنظرات صارمة ، وحذرها قائلاً بغلظة :
-تاني مرة ماتسبيش العيال لوحدهم يا إسراء ، ممكن يعملوا كارثة في البيت ومحدش موجود معاهم ، لازم عينكي تكون دايماً عليهم

اعترضت إسراء على ما قاله :
-يا بابا دول قرود وآآ….

قاطعها قائلاً بصرامة حـــــادة :
-الكلام ده مافيش فيه هزار ، انتي شايفة بنفسك اللي حصل لأختك وهي كبيرة

لوت إسراء شفتيها للجانب في عدم اقتناع ، وتمتمت بعبوس:
-حاضر يا بابا !

أضافت صفية قائلة وهي تمسح على جبين ابنتها الصغرى :
-ارتاحي انتي يا حبيبتي ، ونامي براحتك ! محدش فينا هيصحيكي !

هزت إيناس رأسها موافقة دون أن تتحدث .. فقد كانت بحاجة ماسة إلى الراحة والنوم ليستريح عقلها من كم الضغط العصبي والنفسي الذي تعرضت له اليوم ..
ما ظل يدور في مخيلتها هو هيئتها التي أصبحت بالتأكيد ( بشعة ) بعد لكمات باسل ، وضربة لوحة الإعلانات التي تركت أثرها في جانب رأسها ، ليزيد هذا من حزنها على مظهرها الذي يتحول للأسوأ يوماً بعد يوم ..
انفطر قلبها أسفاً على نفسها ، وصمدت لتمنع حالها من البكاء أمام عائلتها .. فلا أحد يعرف بمعاناتها النفسية ..
أغمضت عينيها ، واستدارت بجسدها للجانب ، وادعت النوم .. فتركها الجميع بمفردها ، وخرجوا من غرفتها ليكملوا نقاشهم بالخــارج …

أجهشت هي بالبكاء الصامت بعد أن تأكدت من خلو الغرفة من الجميع ..
ودار في خلدها فقط ذكرى الإهانات الماضية ..
…………………………..

ظل باسل يجوب الشوارع ليلاً ليفكر فيما جرى على مدار اليوم من أحداث متتابعة ..
شعر بنيران الغيرة تأكله ..
فلم يكن ليسلم من المعلم كريم وسماجته مع حبيبته الصغيرة – وإن كان تعامله معها مبرراً بحكم كونه معلمها الخصوصي – حتى يظهر على الساحة عريس غامض ليؤجج من غضبه أكثر ..
تساءل مع نفسه بغيظ وقد انبعثت الأدخنة من أذنيه ، أليست إيناس بمراهقة صغيرة فلماذا يتكالب الجميع عليها وكأنها صيد ثمين ؟
زفــــر بحنق ، وأكمل تفكيره المحتج وهو يتحرك بلا هوادة أو وجهة معينة ..
هو ظن أنه مخطيء حينما فكر فيها كحبيبة وهي لا تزال في تلك السن الصغيرة ، وعاتب نفسه بشدة على تفكيره الأهوج ، وأخذ يُمني نفسه بأنه سيحظى بها حينما يحين الموعد المناسب ، وليس الآن ..
بينما غيره يبيحون لأنفسهم بإستمتاع ما يحرمه هو !
…………………………….

أسفل بناية ما ،،،،

راقبت تلك الأعين الشيطانية البناية عن كثب متفحصة كل شيء بدقة متناهية ..
مال أحدهم على زميله الواقف إلى جواره برأسه ليهمس له بتساؤل:
-هل تفقدت كل شيء ؟

أجابه بخفوت هاديء وواثق :
-نعم ، كل شيء على ما يرام

أضاف الرجل قائلاً بجدية :
-حسناً ، علينا أن نرتاح لأن الغد حافل

التوى ثغر الثاني بإبتسامة خبيثة وهو يرد عليه بإيجاز :
-بالطبع !

أسند الرجل يده على كتف رفيقه
-هيا بنا !
…………………………….

في منزل مسعد غراب ،،،
بصعوبة بالغة تمكنت إيناس من النوم .. وبالطبع لم تسلم من تلك الكوابيس المزعجة التي أصابتها بالأرق والضيق ..
تنهدت بتعب ، وتثاءبت بإرهاق .. وأغمضت عينيها بقوة لتنام ولكن قطع محاولتها الفاشلة رنة هاتفها المحمول .. فمدت يدها بتثاقل لتلتقطه وتنظر إلى شاشته .. فوجدت إشعارا برسالة نصية
اتسعت عيناها الناعستين بصدمة كبيرة حينما فتحتها وقرأت فحواها ..
اعتدلت في نومتها رغم آلم رأسها .. ورمشت بعينيها غير مصدقة ما قرأته توا ..
هتفت لنفسها بذهول :
-باسل بيتأسفلي ! دي تهيؤات !
هزت رأسها مستنكرة فعلته .. ونظرت للهاتف شزرا .. وتحولت نظراتها للحنق ، وضغطت على زر مسح الرسالة ..
فجرح اﻷشخاص عمدا واﻹساءة إليهم بلا إكتراث لا يمحى بسهولة أو يغتفر برسالة مكتوبة ..
أغلقت هاتفها المحمول والغيظ متمكن منها .. ثم ألقت به على الفراش ، ودفنت رأسها في الوسادة …
…………………………….

ظلت سابين تفكر فيما قاله مسعد لها وهي تتمدد شاردة على فراشه..
هل الشعور بالأمان والاستقرار قد انتهى بالفعل ، وأصبح لزاماً عليها المغادرة ؟
تنهدت في حزن ، ومسحت عن أهدابها العبرات التي بدأت في التشكل في مقلتيها ..
أخذت شهيقاً عميقاً وحبسته في صدرها لتمنع نفسها عن البكاء .. ثم زفرته دفعة واحدة ، وواظبت على فعل ذلك حتى استعادت رباطة جأشها وصلابتها ..
هي كانت تتوقع هذا ، فوجودها في ” القاهرة ” كان مؤقتاً ، وعليها العودة لموطنها للإدلاء بشهادتها في المحكمة عاجلاً أم آجلاً …
” الوقوع في الحب ” لم يكن هذا في مخططها على اﻹطلاق ، بل لم تفكر في حدوثه .. واليوم هي أسيرته ..
ابتسمت لنفسها في خجل ، وتورد صدغيها بحمرة باهتة ..

(( هي تحب ؟ ))
هكذا تساءلت مع نفسها وتنهدت في حيرة .. فليس هذا باﻷمر اليسير .. فهو لم يكن في الحسبان منذ البداية .
هي كانت تعد الساعات لتعود إلى موطنها وحياتها السابقة ، واليوم هي حزينة بشدة لتركها المكان بمن فيه ..
اعتصرت عقلها تفكيراً لسويعات متصلة لتصل إلى الحل المناسب ..وتوصلت إلى قرار حاسم ونهائي ..
فإن كانت تكن مشاعراً رقيقة لمسعد فعليها ألا تضره أو تعرضه للخطر ، وتضع مصلحته العامة نصب عينيها ، وإفصاحها عن مشاعرها نحوه في هذا التوقيت تحديداً ربما سيدفعه لفعل أمور متهورة وجنونية غير محسوبة العواقب بدافع الحب وتوابعه ..
لذا فاﻷسلم هو كتم ما تشعر به .. والتسلح بقناع الأحاسيس الباردة ..

حاولت اقناع نفسها بأن هذا هو الصواب واﻷسلم له ..
كما كان عليها أن تضع في الاعتبار سلامة تلك العائلة الطيبة من أي أخطار تهديدية محتملة …
ثقل جفنيها وغلبها سلطان النوم وعقلها لم يتوقف عن التفكير في مستقبلها المجهول ….
…………………………

قضى ليلته شارداً في الشرفة ومحدقاً في الفراغ أمامه مستعيداً ذكرياته معها ..
ابتسم مسعد عفويا وهو يتذكر لقاءاتهما الطريفة ، والمصادمات الضاحكة بينهما .. فوضع يده على رأسه وحك مؤخرتها بحركة ثابتة وقد زادت ابتسامته اتساعاً …

سريعاً ما لمعت عيناه بوميض حزين وهو يتخيل فراقها الذي بات محتوماً ..
أطرق رأسه للأسفل ، واستند بمرفقيه على حافة الشرفة ، وأطلق تنهيدة عميقة تحمل الكثير ، وتمتم مع نفسه بخفوت :
-هتوحشيني اوي !

لم يكن بيده أي حيلة .. فالأمر يتخطى المشاعر العذبة بكثير ..
أغمض عينيه إرهاقاً ، وظل يتنعم بالهواء البارد الذي يلطم صدغيه لعل نيران صدره المشتعلة تخمد قليلاً
…………………………

في صباح اليوم التالي ،،،
تفاجئت سابين بأصوات ضوضاء خارجية وهي تحاول إفاقة نفسها من نومها الذي لم يكن كافياً ..
استغرقها الأمر عدة دقائق لتستعيد وعيها كاملا ، وتنهض عن الفراش ..
رتبت هيئتها الخارجية سريعاً ، ومشطت شعرها بيدها ثم اتجهت إلى خارج غرفة مسعد ..
قطبت جبينها مندهشة حينما وقعت عيناها على حقائب السفر المتجمعة في الصالة
وقفز قلبها في صدرها بتوتر كبير ..
أخرجها من تفكيرها الخائف صوت إسراء وهي تقول :
-يالا يا ماما .. أنا خلاص جهزت ! والعيال كمان لبسوا !

اقتربت منها سابين وسألتها بتعجب بلكنة غريبة وهي تحاول فهم ما يحدث حولها :
-في ايه ؟
أجابتها إسراء بحزن بادي في نبرتها ونظراتها :
-حمايا تعب أوي ، واتنقل المستشفى ، واحنا كلنا هنسافرله الوقتي
لم تفهم سابين ما قالته كاملاً ، وظهر على تعابير وجهها الحيرة ، وفغرت شفتيها قائلة :
-هاه ، أنا لا أعرف ما آآ…
لم تكمل عبارتها للنهاية بسبب مقاطعة صفية لها وهي تقول بنبرة مرتفعة :
-انتي صحيتي يا بنتي ؟!

أضاف مسعد هو اﻷخر قائلا بجدية :
-كويس انك صحيتي دلوقتي ، أنا كنت هاخلي ماما تدخل الأوضة تفوقك ، بس جت منك !

التفتت برأسها نحوه ، ونظرت له بتوتر وهي تسأله :
-في ايه موسأد ؟
ابتسم لها قائلاً بود وهو يطالعها بنظراته :
-انتي مالك مخضوضة كده ليه ؟ الموضوع عادي على فكرة!

هزت رأسها بعدم فهم ، فتابع موضحاً ، ولكن على طريقته ، ونظراته المتيمة لم تفارق عينيها :
-بصي هو حد قريبنا مريض .. عيان يعني وحالته مش ولابد .. قولي بيخلص ، بيطلع في الروح ، فاحنا عاوزين نلحقه قبل ما يفلسع ويسلم نمر !

فغرت شفتيها بغرابة واضحة على محياها .. فهي لم تستوعب ما قاله ..
-يا بني متدوخهاش معاك !
قالها اللواء محمد بعتاب وهو ينهر ابنه عن الاستمرار في أسلوبه الغير مفهوم في الشرح لتلك الضيفة الرقيقة …
ثم اقترب هو منها ، ووضع يده على كتفها ، وأردف قائلا بنبرة رزينة :
-بصي يا بنتي ، احنا مضطرين نسافر النهاردة وراجعين أخر النهار لظروف طارئة ، بمعنى أدق ، her father in low is sick and in hospital .. we won’t be late ( والد زوجها مريض وبالمشفى ، ونحن لن نتأخر في العودة )

بدى اﻷسف ظاهرا على وجه سابين بعد أن عرفت السبب الحقيقي ، وشعرت بالإرتياح لكونه لا يتعلق بها ، وردت عليه بحذر :
-اوه .. sorry for that ! ( أسفة لتلك الأخبار السيئة )

أضاف مسعد قائلاً بجدية :
-مسافة الطريق ، و مش هنتأخر .. يدوب هاوصلهم وأرجعلك تاني !
أومأت برأسها متفهمة ، فأكمل قائلاً بإبتسامة ودية :
-البت نوسة هتفضل معاكي هتسليكي لحد ما نرجع .. خلوا بالكم من بعض !

صاح اللواء محمد بنبرة عالية وهو يشير بيده :
-يالا يا إسراء !

ردت عليه ابنته :
-ماشي يا بابا ، هاجيب العيال وأحصلك

التفت أبيها نحو مسعد ، وأردف قائلاً بصوت شبه آمر :
-انزل يا مسعد سخن العربية واستنانا تحت !

أومــىء برأسه وهو يجيبه :
-طيب

هتفت صفية قائلة بصوت قلق :
-هاروح بس ابص على نوسة واقولها ان احنا مسافرين

اعترض زوجها قائلاً بضجر :
-يا ستي سبيها نايمة ترتاح ، سابين لما تصحى هاتقولها ، واحنا كمان هانكلمها !

لوت ثغرها في عدم اقتناع ، ورغم هذا لم تعترض عليه ، وردت بإيجاز :
-ماشي !

احتضنت إسراء سابين بذراعيها ، وضمتها إلى صدرها بقوة بعد أن انهالت عليها بقبلة ثلاثية الاتجاهات وهي تقول بأسف :
-مع السلامة يا سوسو .. والله كان بودي اقعد يومين كمان ، بس انتي شايفة الظروف !
ابتسمت لها سابين مجاملة ، وردت بنبرة ودودة :
-مش مشكل .. it’s okay .. I understand ( لا توجد مشكلة ، أنا أتفهم الأمر )

وبالفعل انصرفت العائلة تاركة سابين بمفردها مع إيناس ليقضوا نهارهما في المنزل بمفردهما حيث تنتظرهما مفاجأة غير متوقعة ، وخطر محدق غير مسبوق …
…………………………………………..

أعلى سطح بناية ما تحت اﻹنشاء ،،،،،،

تفقد أحد الرجال الملثمين البناية الموجود بها منزل مسعد من خلال نظارته المكبرة ذات الإمكانيات الحديثة وهو يقف بحذر أعلى ذلك السطح المرتفع لتلك البناية الموضوعة قيد الإنشاء ، وتمتم بكلمات خافتة ومبهمة إلى الواقف بجواره فأومىء اﻷخير برأسه متفهماً ثم تحرك متراجعاً للخلف ..
انتصب الرجل اﻷول في وقفته واكتست ملامحه بقسوة قاتلة ..
فخطأ واحد فقط سيكلف سابين حياتها ..
أمسك الرجل بهاتف غريب ، وضغط على رقم ما قائلاً بجمود :
-كل شيء يسير وفق الخطة ، والمنزل أصبح تحت أعيننا !

صمت للحظة قبل أن يتابع بنبرة مخيفة تشبه فحيح اﻷفعى :
-سننفذ بعد لحظات ! فالجميع قد رحل ! وهي بمفردها هناك !
ثم أنهى المكالمة ، وانحنى ليضع ذلك الهاتف في جيب بنطاله السفلي .. واعتدل في وقفته ليتحرك بعدها في اتجاه باب ما مصنوع من ألواح الخشب هو يتحدث في اللاسلكي حديث التقنية بكلمات مقتضبة …
………………………………………..
في نفس التوقيت ،،،
في منزل مسعد غراب ،،،،
أعدت سابين وإيناس إفطاراً شهيا لكلتاهما بعد أن فرغ المنزل من ساكينه .. وبالطبع لم تسلم الاثنتين من الاتصالات الهاتفية المتعاقبة للإطمئنان على أحوالهما رغم عدم مضي الكثير من الوقت على رحيلهم ..
شعرت اﻷخيرة باﻹرتياح لتنعمها بالسكينة والهدوء بعد عدة أيام من الضوضاء وتوتر اﻷعصاب باﻹضافة للإرهاق النفسي والذهني الناتج عن مصادماتها مع باسل ..
وضعت هي في فمها لقيمة من الخبز وهي تهتف بسعادة :
-أخيرا ارتحنا ..
تعجبت سابين مما قالته ، وسألتها وعلامات اﻹندهاش واضحة عليها :
-انتي مش حبي أختك ؟
ردت عليها قائلة بإمتعاض قليل ظاهر في نبرتها :
-لأ بأحبها ، بس اللي حصل اليومين اللي فاتوا كان أوفر بجد !!
كذلك حاولت إيناس ألا تفكر فيما فعله باسل معها ، ولكن ذكريات تصرفاته الفظة أبت ألا تترك عقلها دون أن تكدر صفوه وسكونه السلمي ..
فبدى وجهها شبه عابساً ..
لم ترد سابين أن تتدخل في شأنها الخاص احتراما لخصوصيتها ، وعمدت إلى تغيير الموضوع ، وتساءلت بمرح :
-اوكي .. what will we do ؟ ( ماذا سنفعل )

مطت إيناس فمها ، وهزت كتفيها في عدم إكتراث ، ثم أجابتها بفتور :
-مش عارفة .. دماغي مش جيباني لحاجة

نظرت لها سابين بعدم فهم ، فأوضحت اﻷخيرة مقصدها :
-اقصد يعني أنا مش عارفة
حركت سابين رأسها بإيماءة خفيف وهي تقول :
-اوكي .. احنا ممكن نعمل ( تسوق ) shopping ، أو ننزل ناخد tour around ( جولة حول المكان )

عضت إيناس على شفتها السفلى للحظة لتفكر فيما قالته ، ثم ردت عليها :
-بصي موضوع الشوبينج ده هايبقى صعب شوية عشان مافيش فلوس money enough ( أموال كافية ) معايا !!!
هزت رأسها متفهمة ، بينما تابعت إيناس قائلة :
-لكن ممكن ننزل نتمشى شوية حوالين البيت كده وأوريكي المكان ونقعد في كافيه نشرب حاجة وناكل مثلا فروت سلاط أو آيس كريم
تحمست سابين للفكرة كثيراً ، وهتفت مشجعة وهي تهز حاجبيها للأعلى :
-واو .. nice ( رائع )

ابتسمت لها إيناس قائلة بتأييد :
-تمام .. هنغسل اﻷطباق ونلبس على طول !

أضافت سابين قائلة وبسمة لطيفة ظاهرة على محياها :
-اوكي .. deal ( متفقين ) !

جمعت إيناس الصحون الفارغة والمتسخة فوق بعضها البعض ، بينما رصت سابين بقايا الطعام في إناء صغير لتضعه في المطبخ .. وهتفت قائلة بإصرار :
-أنا will take them ( سوف أخذهم )
ثم حملت هي جميع الصحون إلى المطبخ ….

اتجهت إيناس إلى الشرفة لتنفض شرشرف ( مفرش ) الطاولة البلاستيكي مما علق به من فتات صغير من بقية قطع الخبز المقطعة ، وحدقت أولاً في الشرفات السفلى لتتأكد من خلوها من أي ثياب موضوعة أو مفروشات ، ثم دققت النظر باﻷسفل لتتأكد كذلك من عدم مرور أي شخص ، ولكن لفت أنظارها تلك الحركات المريبة لبعض اﻷشخاص ذوي الملابس الداكنة الذين يقفون عند مدخل البناية المقابلة قيد اﻹنشاء ..
أمعنت النظر نحوهم بدقة ، وراقبتهم بحرص وهي تتوخى الحذر كي لا يروها ..
تعجبت من ملامح وجوههم الغير مريحة بالمرة .. فقد بدوا كمن خرج من فيلم أجنبي خاص بعصابات المافيا الشهيرة ..
كانت على وشك الضحك والاستهزاء بهم ، ولكن تجمدت تعابير وجهها ، وقفز قلبها في صدرها فجأة حينما لمحت ما يشبه السلاح الناري في يد أحدهم وهو يدسه خلف ظهره ، هي لم تكن لتشك به ، وكانت لتظنه مسئولاً ذو مستوى رفيع من الحي ، أو مهندساً ما قد جاء لتفقد مشروع البناية العالق لولا ذلك السلاح ، وأوجههم الغريبة …

ابتلعت ريقها بخوف ، وتوارت عن اﻷنظار .. وتراجعت مبتعدة عن الشرفة ..
فمجيئهم إلى هنا ربما ينذر بخطر شديد …
………………………………
ركضت إيناس في اتجاه المطبخ لتبلغ سابين بتوجساتها المزعومة .. وهي تهتف بهلع :
-سابين .. سابين ! تعالي بسرعة

تساءلت اﻷخيرة بإستغراب :
-ايه ( what ) ؟!

أجابتها إيناس بفزع وهي تضع يدها على ذراعها :
-في حاجة غلط بــ.. آآ….. بتحصل مش … مش مريحاني !

رفعت سابين حاجبها للأعلى ، وتساءلت بنزق بلكنتها الغريبة :
-ايه هو ؟

ردت عليها بإرتباك وهي تسحبها جبراً من ذراعها :
-تعالي شوفي بنفسك !

هزت رأسها قائلة بهدوء :
-اوكي

ألحت إيناس هاتفة :
-يالا بس بسرعة !!!!!

ردت عليها اﻷخيرة بهدوء :
-اوكي إيناس .. wait .. I am coming with you ( انتظري .. سوف أتي معك ) !

وبالفعل تحركت الاثنتين في اتجاه الشرفة بخطوات سريعة ..
كانت دقات قلب إيناس تتسارع من فرط الخوف الممزوج بالتوتر .. بينما حاولت سابين الحفاظ على هدوئها الانفعالي أمامها ، فلا داعي للقلق أو الخوف دون وجود سبب مقنع .. ..
ولكن تلاشى كل شيء حينما لمحت طيف أحدهم …
تشكل على قسمات وجهها علامات الفزع .. وشخصت أنظارها بخوف بائن للعيان ..
ارتفعت نسبة اﻷدرينالين في جسدها بشدة ، وتلاحقت أنفاسها بصورة شبه لاهثة ، وتسابقت دقات قلبها وكأنها تعدو في سبق خطير ..
لقد خمنت هويتهم .. هم يشبهون أولئك الذين حاولوا اغتيالها من قبل …………………………….


الرابع والعشرين من هنا 

روايات توب

روايات توب هو موقع عربي متخصص في الروايات والقصص، يقدم روايات مكتوبة كاملة، وروايات PDF، وقصص قصيرة وطويلة، إلى جانب أحدث الروايات العربية والعالمية في مختلف التصنيفات مثل الرومانسية، والرعب، والبوليسية، والخيال، والتشويق، مع تحديثات مستمرة وتجربة قراءة ممتعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى