رواية انذار بالعشق الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم مريم غريب

رواية انذار بالعشق الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم مريم غريب
( 33 )
_ علامة ! _
أنزل “نصر الدين” صحيفة المساء علي ركبتيه ليحدق بإبنه الصغير الذي إقتحم الشرفة هاتفا بجذل :
-بابي . بابي إلحق بسرعة عمر جه !
إنتفض “نصر” واقفا و هو يصيح بتلهف :
-عمر جه ؟ إنت متأكد يا سليم ؟؟
سليم بلهاث مرتفع :
-أيوه متأكد . أنا لسا شايفه بيركن عربيته برا
و لم ينتظر “نصر” لحظة أخري و إنطلق إلي الخارج لملاقاة إبنه .. لحق به “سليم” راكضا ، ليصطدم في طريقه بدون قصد بأخيه الأوسط ، “زياد” …
-علي مهلك يا سليم ! .. صاح “زياد” ممسكا بأخيه الأصغر الذي ترنح علي وشك السقوط لو لم يدركه بسرعة
-مالك ياض بتجري كده ليه ؟
تطلع الصغير إليه ، لم يكن وحده .. كانت أمه “يسرا” تقف إلي جواره ، ممسكة بعصاه المعدني التي يستخدمها للسير مؤخرا ، رغم أن قدمه تعافت بنسبة كبيرة ، لكن يبدو أنه يقوم بالتمارين التي شدد عليها الطبيب و ها هي أمه تساعده علي إتمامها …
-أصل عمر لسا راجع دلوقتي ! .. هدل “سليم” باسما ببراءته المحببة
تبادل “زياد” نظرة ذات مغزي مع أمه ثم عاد لينظر لأخيه سائلا :
-راجع لوحده يا سولي ؟!
عقد “سليم” حاجبيه لغرابة السؤال و قال :
-آه . أنا شوفته لوحده .. مين إللي هيرجع معاه يعني ؟!
-محدش طبعا يا حبيبي ! .. قالتها “يسرا” مبتسمة برياء ، ثم إنحنت لتطبع قبلة حانية علي وجنته الناعمة و أكملت :
-يلا إجري شوف كنت رايح فين . بس حاسب لتقع أو تتخبط في حاجة
أشرق وجه الصغير من جديد و هو يركض نحو الخارج ملبيا أمرها اللطيف …
-الباشا رجع لوحده ! .. تمتم “زياد” ناظرا لأمه بدهشة
يسرا بسخرية :
-و إنت فاكره هايجيبها هنا لنصر ؟ ده كان لبسها مصيبة في لحظة عشان يبعدها عنه . إبن إيلين أذكي من كده يابني
زياد مبتسما بتشفي :
-أنا مش مصدق إنه عايز يتجوز خدامة فعلا . عارفة لو كنت أعرف إنه هيتجنن كده لما يشوفني معاها لدرجة يطلبها للجواز . أنا كنت صاحبت خدامين البيت كله حتي داده سعاد إللي هتطلع عالمعاش الشهر الجاي
و إنفجرا بالضحك معا .. لتقول “يسرا” بجدية الآن :
-المهم إحنا مش عايزين نتدخل خالص . كفاية أوي نقعد نتفرج و نستمتع بإللي هيحصل واحدة واحدة
زياد مؤيدا :
-طبعا . إحنا مالناش دعوة .. الخية جاهزة أساسا . و عمر باشا هايوقع نفسه بنفسه … ثم سألها بإهتمام :
-أومال فين آسر صحيح ؟ مش راح يجيب آصال ؟ إتأخروا كده ليه ؟!
يسرا بإبتسامة راضية :
-مش هيرجعوا البيت الليلة دي أصلا . آسر كلمني و قال إنه حجز ليلة في فندق و هيرجع بكره مع مراته إن شاء الله !
……………………………………………………………………….
علي الطرف الأخر .. يستقبل “نصر الدين” إبنه عند المدخل ، بينما يمشي “عمر” بخطوات ثابتة متهادية نحو باب المنزل ، لم يبدو عليه التأثر لرؤية والده
بل رسم علي وجهه تعابير الإسترخاء و إستطاع أن يبتسم له بتكلف أيضا …
-أهلا ياباشا ! .. صاح “نصر” بصوته القوي و هو يرمقه بنظرات حادة
توقف “عمر” أمامه مباشرةً ، لا تفصلهما سوي خطوتين .. إبتسم ردا علي نظرات أبيه و قال بفتور :
-إزيك يا بابا ؟
نصر بغلظة :
-كويس و الله إنك لسا فاكر إني أبوك . كنت فين يا أستاذ من إمبارح ؟؟
عمر و هو يضحك :
-هو تحقيق و لا إيه ؟ علي فكرة أنا عديت مرحلة إعدادي دي لو كنت نسيت يعني يا نصر باشا
-رد علي سؤالي ! .. هتف “نصر” بحزم
-كنت فين و عملت إيه و إنت غايب ؟!!
صمت “عمر” للحظات ، ثم قال ببرود :
-كنت و فين و عملت إيه . دي حاجات تخصني يا بابا .. و أنا عايزك تعرف بس إني رجعت دلوقتي عشان جلنار هانم . لولاها هي ماكنتش فكرت أرجع البيت ده تاني . أبدا
إشتط “نصر” غضبا و هو يقول مزمجرا :
-البت دي عملت فيك إيه ؟ خلاص عقلك راح ؟ ده حتي يبقي عيب عليك . بعد ما لفيت و جربت أنواع كتير و كلهم أحسن بالمقارنة بيها . تيجي واحدة صايعة زيها توقعك في جواز يابن الرواي ؟!!!
عمر بإبتسامة مستفزة :
-آه يا بابا . البت الصايعة إللي بتتكلم عنها دي أنا هتجوزها .. و لو إنطبقت السما عالأرض . محدش هيمنعني … ثم قال و هو يفتح زر ياقته كاشفا عن جزء من صدره الأسمر :
-عن إذنك . طالع أخد شاور .. أصلي مخنوق أوي و محتاج أفوق
و مضي بإتجاه الدرج تاركا أبيه يشتعل بكثافة خطيرة و هو يردد من بين أسنانه :
-هنشوف يا عمر . هنشوف !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
أصدق وعده لها ، بعد أن إمتنعت عن قبول الطعام منه ، كلما يمد يده به نحو فمها ، فتشيح بوجهها للجهة الأخري برفض تام
فما كان منه إلا أن أجبرها و جعلها تتناول الصحن كله قسرا عنها ، بأن مال نحوها و جذب رأسها للخلف بيد ، و باليد الأخري حشر الطعام بفمها ، لتستسلم هي في الأخير كطير صغير تزقه أمه في فمه
و رغم كل شئ ، لا زالت دموعها تسيل بلا توقف ، كانت ملأي بالكآبة و الحزن إلي درجة آمنت معها أنها مسألة وقت و ستزوي قريبا ، حتي لو أطعمها و سقاها رغما عنها .. إذ لا يمكن أن تعيش بعد ما حدث ، مهما قدموا لها من آمال و تعويضات ، لقد إنتهت ، لقد إنتهي كل شئ ، ذهب طعم الحياة منذ وقت طويل و ما بقي إلا الإستسلام لرغبتها الجارفة في الفناء ، هنا أو بأي مكان أخر …
-لازم تسمعيني يا ساره ! .. قالها “صلاح” و هو يركع تحت قدميها مستجديا منها العطف و الصفح
-أنا خبيت عليكي الحقيقة عشان كنت خايف تبعدي عني . و عملت فيكي كده بردو لنفس السبب !
لم يكن اللاصق علي فمها الآن ، كانت تستمع إليه بخرس تام و هي تذرف الدمع بهدوء .. ليمسك هو بيدها و يضغط عليها بشدة قائلا بنبرة معذبة :
-أرجوكي ماتسكتيش كده . أنا عارف إني غلط و آذيتك بأبشع طريقة . عارف إني مافرقتش حاجة عن السفلة و المجرمين إللي إتربيت معاهم .. بس عذري الوحيد يا ساره إني بحبك . يمين بالله بحبك و طول عمري خايف تضيعي مني . طول الوقت خايف . خايف من إللي حوالينا و خايف منك . خايف تيجي في يوم و تقوليلي بحب أو عايزة أتجوز . دايما كنت بسأل نفسي لو حصل ده أنا ممكن أعمل إيه ؟ بس ماتخيلتش أبدا يكون إللي حصل إنهاردة هو رد فعلي
أغمضت عيناها بقوة حين ذكرها بما حدث ، لتنهمر موجة غزيرة من الدموع علي خديها
عض علي شفته بقوة و هو يصارع مشاعر تعصف بداخله ، تردد للحظات ثم إرتفعت يداه ليجفف دموعها محيطا وجهها براحتيه الكبيرتان …
-كانت لحظة ضعف ! .. قالها “صلاح” هامسا و هو يرتفع قليلا ليضع جبهته فوق جبهتها ، و أكمل :
-ماكنش قصدي . و حياتك عندي ماكنش قصدي .. كنت بحبك و محتاج أقرب منك أوي . أيوه قدرت أحميكي من المشاعر إللي جوايا دي سنين . بس المرة دي كانت مختلفة تماما . المرة دي إنتي عرفتي كل حاجة . فجأة مقدرتش أسيطر علي نفسي . كنت أعمي . صدقيني لو كان عقلي فيا ماكنتش فكرت ألمسك أصلا . و أنا أكتر واحد عارف معاناتك و أد إيه إنتي تعبتي من الجوازة بتاعتك
شعر بإرتجافتها ، فأجفل و هو يبتعد عنها قليلا … ليجد الشحوب قد كسا وجهها و شفتاها أزرقتا بقتامة مرعبة
إرتعد و هو يحملق فيها مذعورا ، و سرعان ما أدرك مبلغ البرودة التي تحيط بهما و إرتدائها تلك العباءة دون ملابس داخلية تحتها فضلا عن إسحتمامها و خروجها مبتلة معرضة نفسها للهواء ليجففها و يمرضها في آن …
أمسك كتفيها و هو يقول بقلق :
-إنتي بردانة . صح ؟ إزاي تخرجي من الحمام كده ؟ إنتي عايزة تموتي نفسك ؟؟ .. و قام متجها نحو فراشها
أحضر غطائها الثقيل و عاد إليها ، إفترشه علي كتفيها و ضمه حولها بإحكام قائلا :
-دلوقتي هتدفي . بس مش هقدر أفكك .. أخاف تأدي نفسك تاني أو تعملي أي حاجة
إنحني ليقبل رأسها برقة ثم يقول بصوت دافئ :
-لما تنعسي هحطك في السرير
إرتعدت فرائصها بعد عبارته تلك ، ليهدئها فورا رابتا علي ظهرها بلطف :
-ماتخافيش يا ساره . هتنامي في سريرك .. لم يحتمل نظرات الرعب في عينيها ، فوعدها بصوت أجش :
-قولتلك ماتخافيش يا ساره . أنا مش هلمسك تاني بالطريقة دي .. أنا هعرف إزاي أثبتلك إني بحبك بجد و بخاف عليكي !
•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••
يخرج “عمر” من حمامه الخاص مرتديا مئزره السميك ، طفق يفرك رأسه المبتل بالمنشفة الصغيرة و هو يتجه نحو هاتفهه الملقي علي السرير
إلتقطته عاقد الحاجبين ، و مرة أخري طلب رقمها ، ليجده لا يزال مغلقا .. زفر بقوة و إستدار بنية الذهاب تجاه حجرة الملابس ، إلا أن الهاتف لم يلبث أن دق و هو بيده
ألقي نظرة علي هوية المتصل علي أمل أن تكون هي
لكنه لم يكن سوي اللواء السابق .. “منصور الكيلاني” …
-خير يا منصور باشا ! .. هكذا رد “عمر” علي الفور و قد إستشعر دنو الأخبار المهمة قبل أن ينطق بها الأخير
أتي صوت “منصور” متسما بشئ من الإنفعال :
-عمر . في أخبار مدهشة .. مش هتصدق !!
عمر مزدردا لعابه بترقب :
-بالسرعة دي . قول يا باشا من فضلك ؟!
-مش هينفع علي التليفون . إسمع . إنت تطلع علي مديرية الأمن دلوقتي حالا . هقابلك هناك كمان ربع ساعة . يلا سلام .. و أغلق معه
فلم يكذب “عمر” خبرا ، إرتدي ملابسه علي عجالة و سحب هاتفهه و سلسلة مفاتيحه و غادر …
عندما قابل “منصور” أمام المبني الرئيسي لمديرية أمن القـاهرة ، إستقبلهم ضابط برتبة رائد ، إصطحبهم معه للداخل و تبينت أهميته الشديدة جراء معاملة العساكر له ، حتي الضباط أصدقائه .. بدا عليهم الإحترام و الخضوع إليه تماما …
دخل إلي مكتبه داعيا إياهم للدخول ، أجلسهم أمامه و قد أظهر تقديرا كبير لـ”منصور” و هو يرحب به بدماثة شديدة :
-شرفتني يا منصور باشا . بجد أنا محظوظ إني بقابلك تاني مديرية الأمن كلها مفتقدة سيادتك
منصور مبتسما بزهو :
-متشكر يا سيادة الرائد . و أنا مقدر إنك دخلت عمر لحد هنا علي مسؤوليتك .. و أشار إلي رفيقه الشاب
-بس أؤكدلك إن هدفنا واحد . و مافيش أي قلق من ناحيته زي ما شرحتلك
إبتسم الضابط قائلا :
-مبدئيا حضرتك تناديلي فارس عادي منغير سيادة الرائد و الألقاب دي . إنت أستاذنا يا باشا
ضحك “منصور” و هو يومئ برأسه واعدا بذلك ، بينما بدأ “عمر” يشعر بالملل ، ليلحظه “فارس” مستطردا بجدية مفاجئة :
-منصور باشا حكالي علي موضوع البنت إللي تعرفها يا أستاذ عمر !
نظر “عمر” له و قال بجدية مماثلة :
-إسمها ساره يا سيادة الرائد . بس في الحقيقة ماعرفش إذا كان ده إسمها الحقيقي و لا لأ
همهم “فارس” قائلا بهدوء :
-أفهم من كلامك إنك شاكك إنها إتخطفت و هي طفلة و تم تغيير إسمها ؟
عمر موضحا :
-مش أنا إللي شاكك . هي لما قابلتني إنهاردة و صارحتني بشكوكها . فحبيت أساعدها عشان كده كلمت منصور باشا .. و نظر إلي “منصور” بتساؤل
أومأ له “منصور” بعينيه بمعني ألا يقلق ، بينما تابع “فارس” بإسلوبه البوليسي الحازم :
-طيب بدايةً كده يا أستاذ عمر لازم تعرف إن البنت دي إسمها ماتغيرش و لا حاجة . و لو إتأكدنا بإجراءات بسيطة كل المواصفات إللي عندنا هتنطبق عليها و بمساعدتك هنقفل الملف ده أخيرا
عبس “عمر” قائلا :
-أنا مش فاهم حاجة !!
إبتسم “فارس” و دفع له بمجلد شفاف و هو يقول :
-كمال عبدالله رفيق . من عشرين سنة إتقدم بلاغ من دكتور أمراض نسا . كان بيولد مراته في المستشفي بتاعته . علي حسب كلامه و التقارير إللي قدمها ولادتها كانت متعثرة شوية . بس تمت و الطفلة نزلت بخير
تناول “فارس” إحدي الأوراق من الملف قارئا له ما سطر بها :
-كمال رفيق بيحكي و بيقول . بعد الولادة لبست بنتي Mark ( علامة ) حوالين إيدها عليها إسمها و سلمتها للمرضات عشان يدخلوها الحضانة . بعدها فضلت شوية جمب مراتي لأن حالتها لسا ماكنتش مستقرة و كانت مريضة أساسا و داخلة العمليات و هي حرارتها عالية جدا . أنا قدرت أنقذها هي و بنتي بمعجزة . بعد ما إطمنت عليها و نقلتها في جناح خاص . يعني بعد مرور كام ساعة كده لحد ما فاقت من البينج . طلبت مني أنقل معها البنت عشان تشوفها و تبقي جمبها و كمان عشان ترضعها . و فعلا بعت الممرضة عشان تجيبها .. بس رجعت و قالتلي مالاقتهاش . قلبت عليها المستشفي كلها . مالاقتهاش أبدا . مافيش أثر ليها . و أنا و مامتها هتجنن عليها . إحنا مالحقناش نشوفها أصلا !
و إنتهي “فارس” لينظر إلي “عمر” الذي كان يستمع بتركيز شديد ، ثم قال :
-ساره كمال عبدالله رفيق . تبقي هي الطفلة إللي إتخطفت من عشرين سنة . و إحتمال بنسبة 90% إنها تكون ساره إللي حضرتك تعرفها . إللي عمرها دلوقتي عشرين سنة بردو
فغر “عمر” فاهه و إستغرقه الأمر دقيقة كاملة حتي إستطاع الرد :
-سيادتك . تقصد .. إن ساره بجد إتخطفت زي ما قلت ؟ و إن ليها أهل بجد ؟
أومأ “فارس” بهدوء و قال :
-أيوه يا أستاذ عمر . هو كده فعلا . الدكتور كمال رفيق طول السنين دي كلها مابطلش يدور علي بنته . كل سنة كان بيجي يجدد المحضر لحد ما زهقنا منه . أنا و الظابط إللي قابلي و إللي قابلي . لحد ما كلمني منصور باشا إنهاردة و بلغني بالحكاية
عمر مجفلا بتوتر :
-طيب المفروض إيه إللي هيحصل دلوقتي ؟!
هز “فارس” كتفيه قائلا :
-هيحصل المعتاد في أمور زي دي . أنا فعلا كلمت الدكتور كمال و بلغته بالمستجدات لأول مرة في القضية دي و زمانه علي وصول
عمر بدهشة :
-هي كانت قضية ؟!!
فارس بإبتسامة هادئة :
-هتبقي . بفضلك إنت هتبقي قضية يا أستاذ عمر .. و أردف بصرامة و قد إلتمع بريق العنف بعينيه :
-إنت ماتعرفش أنا إتشوقت إزاي لطاقم المجرمين دول . لازم يعدوا عليا أنا الأول قبل التحقيقات و النيابة و الكلام ده كله .. لازم ياخدوا الواجب التمام …… !!!!!!!!!
يتبـــع


